بدأ الموسم الرمضاني لهذا العام بعمل مهم، تم تسليط الاضواء عليه، وعلى اسم مخرجه الاردني من اصل شركسي والمقيم بسوريا، ألا وهو سقف العالم.
العمل تم الترويج له منذ أشهر عديدة على أنه الرد الحضاري الامثل على الخلفيات التي تشكلت لدى الجماهير الغربية عن الاسلام ونبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- التي تم وصمته ب"القاتل" و"اللاعقلاني" الى ما هنالك من صفات يتنزه عنها الرسول الاكرم، جاءت على أكثر من لسان غربي، كان أبرزهم الراعي الاكبر للكنائس الغربية، بابا الفاتيكان (بنديكت السادس عشر)، وهي الاحداث والافكار المسبقة التي فسرها المراقبون على انها ما كان وراء الاعمال الكاريكاتورية التي جائت تحت عنوان السخرية من النبي العربي محمد "ص".
ما هذه الرائحة؟
هذا ما روج له القائمون على هذا العمل، فيما يمكن الادعاء أن هناك سببا لا يقل إلحاحا، بل لعله يمكننا الادعاء انه الاساس، وإن أغفل اظهاره عن عمد في الدعاية للعمل كان لسبب وجيه من الناحية العلمية ومنهجية التصاعد في التسلسل للاقناع، وهو أن الهدف هنا العقل اللاواعي الجماهيري العربي، وهو ما نخصص قرائتنا الاولية له هذه المرة.
منذ الحلقات الاولى وقياسا على ما كان قد قيل، خاصة وأن مخرجه الفذ نجدت أنزور وصل في درجة مدحه للعمل الى وصفه ب"من سيحشد وراءه من المعجبين مختلف الشرائح العربية -بما في ذلك المتدينين". ولا أذكر إن قال حقا "المتشددين"! وهو يركز على مخاطبتهم في ذلك اللقاء الذي اجرته محطة "ال بي سي" اللبنانية، المعروف خلفياتها الاديولوجية –كتائبي ماروني-، ومصادرها التمويلية –خليجية سعودية- في خضم حملتها الترويجية الغير عادية لمسلسل سوري- في ذات الوقت الذي تمارس فيه معظم الفضائيات العربية حصارا فنيا على الاعمال السورية في سياق المعارك الاخرى التي تجري في الساحة السياسية والثقافية بين مجموع الدول التي توصف بالمعتدلة ضد سوريا.
نقول. منذ الحلقات الاولى أمكن ببساطة الاستنتاج أن المستهدف ليس بالدرجة الاساس هم الجمهور الغربي الذي قيل أن العمل ستتم ترجمته ليكون مفهوما لديهم، ولا المتدينيين الاسلاميين، ولا حتى العلمانيين العرب، فالمستهدف هم ما بين وبين، هؤلاء وهؤلاء، إنهم العامة الذين يشكلون السواد الاعظم من الجمهور العربي الغير مؤدلج والمتأثر بوسائل الاعلام خصوصا التلفاز، واللا منتمي، والتائه بين ولائه الغريزي للأنظمة، وبين التعاطف الباطن مع المقاومة والظلم، ولؤلائك الدهماء الذين يجدون ضالتهم في أي عمل ثقافي او فني يؤازر تملقهم للخطاب الرسمي العربي، والاستشهاد به كمادة ثقافية باذخة أمام الاديولوجيات المضادة للأفكار المعلبة.
هذا هو الامر الذي يقوم به ببساطة "سقف العالم" وؤلائك اهدافه، فغني عن القول أن أي متدين إسلامي سيعاف متابعة العمل -اذا افترضنا أن الاسلاميين يكترثون كثيرا بالتلفزيون- لدى أول مشاهد هذا المسلسل التي ستكون زاخرة بالمشاهد الساخنة مقارنة بمسلسل صنع خصيصا ليبث في شهر رمضان.
ولا العلمانيين سيكترثون كثيرا لشيء لا يضيف جديدا لما يروجون له ليل نهار.
وبالتأكيد فالجمهور الغربي لن ينتظر عملا تلفزيونيا عربيا ليغير قناعاته أو حتى ليصمد برأيه أمام البيئة المعجونة على رفض كل ما هو اسلامي او عربي وحتى عالم ثالثي، وتمجيد كل ما يمت للحضارة الغربية بصلة سواء كانت الحادا او تدينا مسيحيا كاثولوكيا بروتستنتيا.
رسائل كثيفة، بطن متخم وعقل مسترخ..!
فبعيدا عن صيغة أعمال لأنزور والمؤسسات التمويلية التي يتبعها على شاكلة "الحور العين" و"المارقون" التي هاجمت بشكل مباشر التيار الاسلامي المقاتل ولم تحقق النجاح المرجو منها بسبب فجاجتها للطرح، كان لا بد من عمل يركب موجة الغيرة على (رموز) الامة، ويستغل الظرف بإمكاناته المتفوقة، يركبه ويوجهه الى الاهداف التي يريد.
السلطان المتنور
أول الرسائل المستقاة من العمل، أن الأمة يجب أن تدافع عن (رموزها) بطريقة (حضارية) بالفن مثل هذا المسلسل، بالموسيقى مثل سيمفونية "الرسول الاعظم" الايرانية، بالشعر والمظاهرات السلمية وأقوال الزعماء، بعيدا عن (الغوغائية) مثل المقاطعة وحرق الاعلام والدعوة بالموت!
وتعقيبا على هذه الرسالة فإن شرحها يحملنا الى ما يجري حقا.. لقد تم تصوير المشهد كما هو آت.. الخليفة أمير المؤمنين المقتدر بأمر الله رجل متنور، يحب العلماء والادباء، ويدير دولته (بحكمة) وكثير من الحب وسعة الصدر. ولأنه إنسان فله الحق أن يرتاح أو يلهو قليلا، وهكذا نجده كل مساء، على الأغلب في كل جلسة يظهر فيها، يحتسي الخمر من على عرشه الموشى بالذهب المغطى بالديباج، وفي صورة مقتنصة من مشاهد ألف ليلة وليلة.. تدور حوله الجواري والخصيان والغلمان، منهم من يرقص، ومن يسكب الخمر ومن يلقي الشعر ومن يضرب على القيان، وفي كل هذه الاجواء الماجنة فإن حضارته تصل الى بلاد البلغار شمالا وبلاد الافغان شرقا ، مع اغفال واضح الى للسيطرة الاستعمارية التي كان يمارسها الاتراك من بعد الفرس على تلك الدولة المتهالكة التي ليس منها سوى ذاك الخليفة الماجن.
الفارس الأمرد
الرسالة التالية.. علماء الامة وأشهر من فيهم هنا أحمد ابن فضلان الرحالة الشاعر والفارس الذي شهدت له كتب التاريخ بمشاركاته في حملات من أقصى الشرق الى اقصى الغرب، حين كان الساعد الايمن للقائد الفاتح محمد بن سليمان، والسفير المميز في اسفاره التي كانت اشهرها رحلته الى بلاد البلغار مندوبا عن الخليفة الى ملك الصقالبة، الذي كان أصلا بإنتظار مندوب من الخليفة ليشهر اسلامه بعد أن كانت وصلتهم سير الخلفاء الراشدين وقصة الاسلام.. وثم بلاد الاسكندناف، وليتم في العمل إستغلال قصة حبه العادية والتي كانت كحادثة عابرة في تاريخه الحافل تم تصويره من خلالها كماجن إستهلك معظم وجوده في حلقات العمل الاولى لتكريس هذه النظرة عنه، عاشق ولهان، يسترق السويعات ليتبادل القبل والغرام مع تلك المرأة التي كانت السبب في قيامه بواحدة من أهم الرحلات في التاريخ الانساني.
الانهيار "نهضة"!
الرسالة الثالثة.. الامة العربية والاسلامية تم تصويرها كأنها كانت في أوج عصرها الذهبي، هذا العصر الذي تم الاصرار على مرادفته لأجواء اللهو والعبث وإنتشار الحانات وما يمكن تسميته بمصطلحات أيامنا بالحرية الشخصية، مع إغفال صارخ للأوضاع السياسية التي كانت سائدة أنذاك في الدولة العربية الساقطة بعد سقوط الامويين، من قلاقل خطيرة في مختلف انحاء الدولة المفككة، ومن استعمار ثقافي سياسي واجتماعي بدأ يفلت من زمام المستعمر السابق "الفرس" لصالح المستعمر الحالي ، السلاجقة الاتراك، عداك عن المعارك الطاحنة في ذلك الوقت بين الشيعة، السنة، الاسماعليين، القرامطة، والمشرق الاسلامي مع المغرب الاسلامي، وبين هذا كله مع الصليبيين. كل تلك الاحداث التي توشك على الالقاء بالدولة العباسية الى الانهيار البائس.
الصليب الاسلامي
الرسالة الرابعة والاهم وربما تلك التي تلخص كل ما هدف اليه العمل بأبعاده الثقافية والايديولوجية، إلغاء فكرة أن الاسلام هو منهج حياة وطريقة حكم من أذهان الجمهور العربي بناء على ماسبق وغيره، وتحويل غيرة هذه الجماهير الدينية الى غيرة رمزية منطلقها الابتدائي والنهائي هو الدفاع عن قدسية "الرمز" لا عن رسالته، فنبينا محمد وعبر الحوارات التي كانت تجري في بداية العمل بين الاكاديمية العربية وزملائها الغربيين، والكلمات المقتبسة عن بعض الزعماء والمفكرين العالميين من غير المسلمين، التي تمدح النبي عليه الصلاة والسلام، تم وضعها جميعا في سياق الدعوة الى احترام الرجل الرمز-رسالة خارجها للغربيين ومضمونها لتلبية رغبات المشاهد العربي- والبعد عن الاساءة لمشاعر العرب والمسلمين بهذه الطريقة.
إذن فالنبي حامل الرسالة والمعلم يغدو رمزا، لا معلما وصاحب رسالة خالدة، شيء يشبه الى حد ما المسيح لدى مذهب ما يسمى "بالمسيحيين المتنورين" او العقلانيين الذي ساد بين النخب المثقفة والسياسية ابان عصر التنوير الاوروبي، فيوضع النبي في أيقونة رمزية ويصلب كشيء روحي بعيدا عن تعاليمه الاساسية -الاسلام- وهو ما يجري في تناغم مع ما سبق وبإمكانات مذهلة يحسد عليها اصحاب العمل، الذين يريدون لنا أن نخلص الى نتيجة مفادها أن الاسلام ليس بالضرورة أسلوب حياة، بل هو مجرد حب للنبي على أساس كونه رمزا أيقونيا أو أكثر قليلا.. قائدا تاريخيا يجله العظماء ويمكن الفخر به على صفحات التاريخ، فيما أن الحياة الغير ملتزمة كتلك التي عاشها الخليفة العباسي هي الحياة المثلي البعيدة عن التزمت والمتحررة والتي تستوعب الجميع تحت سقف الدولة (الديمقراطية ربما)!
الغرب أنصفنا أكثر
إن سقف العالم الذي استخدم ذات القصة التي لجئ اليها الكاتب الانجليزي Michael Crichton في روايته Eaters of the Dead التي اقتبس عنها فيلم الفارس الثالث عشر The 13th Warrior لأنتونيو بانديراس Antonio Banderas تبدو حتى مع هذا الكم من التقنية والمحترفين القادمين من امريكا بريطانيا وإيران وغيرها كل مختص في مجاله ضعيفة الحال من ناحية الفكرة لصالح الفيلم انف الذكر، الذي إستطاع بكل سلاسة أن يستحوذ على إعجاب كل من شاهده، عبر القصة التي حملها بكل تجرد عن ذاك العربي القادم من الشرق لينهض بالامة المتوحشة لتكفي قصته في تلك البلاد للإيحاء عن الخلفية التي انطلق منها،والتي أراد سقف العالم ان يصورها بطريقته لتتماشي مع رسائله الموجهه.
ويبق فقط أن نتابع بقية العمل حتى نرى الى اي مدى سوف تصل تلك الرسائل حقا
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية