عندما هطل صوت المآذن البعيدة و أنا بالقرب من كنسيتي المفضلة , احترت بهذا المزج الغريب بين قيم الإنسان الروحية , و المآذن و الأجراس التي استطاعت أن تحتل بقداسة جزءًا من تفكيري بكيفية الهروب من تراتيل الكنيسة و صدوح الجامع إلى مكتبي , فساعة يدي تشير إلى اقتراب خيط الفجر, و شرفة رغد جامدة بلا حراك , و شرطي المرور على زاوية الشارع بعينيه المتعبة يشعرك باليأس , و أفكار رئيسة البلدية "التحررية" التي أكلت أخضر شوارع حمص العريقة و يابسها تجعلك خائفاً من حركة نسائية "ثورية" تعتقل الذكور في المطابخ , لم يعد إمامي الا الهجرة إلى مكتبي الذي ما ان ولجته , حتى بدأ ضميري بالتعذب الإرادي , فصوت جاري المؤذن ينده على صلاة الفجر و يحض عليها قبل الموت , و أنا تفكيري مثقل بشرفة رغد التي لم تتحرك الليلة و بكيفية كسر طوق الياسمين الحمصي و الوصول إلى العالمية .....!
لكن شيئاً غريباً أبعدني عن كل هذا و أجبرني على الوقف على شرفة المكتب ... انه صوت المجنون الشهير بحمص (كرمو) فصراخه و صل إلى صومعتي القابعة بالطابق السادس , ربما الجوع أو العطش أو القرف أو الجن أو التسلية جعلوه يصرخ بهذا الشكل ...... ليعيد إلى ذهني حديثي مع مرهف البارحة , حين قلت له ... فلنؤسس قناة فضائية , تبث من خارج سوريا إلى سوريا , الأمر بسيط مجموعة حرامية من أولاد البلد الوطنيين , يعلنوا تأسيس شركة مساهمة تنبثق عنها القناة الفضائية , و تركني ابدأ الاتصالات , ألا تذكر كيف كذب كفار الفكر بقدرتنا على إقامة المعرض و الملتقى الإعلامي الأول و بث الجزيرة مباشر من تدمر , و كيف هم أنفسهم صدقوا و امنوا بعد النجاح ... فقال مرهف الانقلابي الأخضر ... أنت مجنون ....!
ها هو (كرمو) يصرخ إعلاماً و استطاع برسالته الإعلامية (الصراخ و الهذيان ) إخراجي من الثنائي المقدس , الجنس الرغدوي و الصلاة قبل الموت......
لست أرى بالعقل و الحذر و الخوف من السياسة و الإيدز أي حقيقة , بل الحقيقة تكمن بحماسنا و طموحنا , و صراخنا الليلي لا لنُسمع من بأذنيه صمم , بل لنسمع عقلنا الباطن و عدونا الباطن , أننا قادمون و لو بعد حين ... شكراً كرمو ..... و ثكلتك أمك مرهف ....
رئيس التحرير
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية