روى لنا تاجر لبناني يستورد البضائع من الصين، أن علاقة عمل جمعته بتاجرٍ سوري عبر الانترنت ثم الهاتف، فدعاه إلى لبنان لزيارته فأجابه السوري: "بزورك بالصين أسهل لي" وبالفعل فقد زار التاجر السوري التاجر اللبناني في الصين ولم يأت للبنان.
وعندما أرادت المعلمة منذ يومين أن تعطينا مثالاُ عن العلاقات الاجتماعية، أخذت الجار كمثال واستطردت، لكنها توقفت فجاة وقالت كمن ارتكب خطأً فادحاً: ربما يجب ألا أعطي الجار كمثال. انسوا أن هذا المثل عن الجار، واستبدلوا في كل ما قلت كلمة جار بكلمة صديق فأنا ما قصدت بجار إلا جاركم في الصف. (خوفاً من أن يفسر الجار بسوريا).
هذه ليست حساسية مفرطة ولا قصص مبالغ فيها. هذه مجرد عينات من التوتر الذي صار يسود العلاقة بين اللبنانيين والسوريين. بل لعلها عينات بسيطة، مقارنة بعشرات حوادث الاعتداء والضرب التي يتعرض لها العمال السوريين بمجرد وقوع انفجار أو استهداف لأحد الرؤساء، أو بالمقابل، ما تتعرض له بعض السيارات اللبنانية عندما تدخل الأراضي السورية ويلمحها أحد "المتوترين" فيعتدي عليها بالضرب "انتقاماً".
وفي حين أن الحدود اللبنانية السورية، هي من "أسهل" الحدود في العالم، فاللبنانيون والسوريون لا يحتاجون لتأشيرات لدخول أراضي بعضهم البعض، بل يكفي تسجيل أسمائهم عند الدخول والخروج على الحدود، وكذلك السيارات التي تحتاج لمعاملة بسيطة وتأمين فقط؛ إلا أن العلاقة بين البلدين تراجعت كثيراً بعد حادثة اغتيال الحريري والأحداث الأمنية التي تلت، والتي يتهم فريق الأكثرية النيابية النظام السوري بالوقوف وراءها.
ولعل المفارقة تكمن أنه في الوقت الذي كان النظام السوري فيه فعلاً يتدخل في الشؤون اللبنانية والجيش السوري منتشراً في الأراضي اللبنانية كافة، كان اللبنانيون يقصدون الأراضي السورية بكثافة للتبضع، خاصة في الأعياد والمواسم ولتجهيز العرائس، وكانت العلاقات بين الشعبين أكثر من جيدة، أما اليوم وبعد خروج الجيش السوري من لبنان، فقلة من يذهبوا، وأغلبهم من القرى البقاعية أو العكارية المجاورة لسوريا.
كما أنه وبعد خروج الجيش السوري من لبنان تم الغاء اتفاقية تبادل الطلاب بين الجامعات الحكومية اللبنانية والسورية، حيث كانت هناك اتفاقية تبادل عدد محدد من الطلاب سنوياً للدراسة الجامعية.
لكن الأمل في انهاء هذا التوتر يظل قائماً وموجوداً، حيث أن لبنان لا يحده من الدول سوى سوريا وفلسطين المحتلة، وبهذا فإن سوريا هي حالياً "جارته الوحيدة" بالاضافة إلى كونها منفذه البري الوحيد إلى العالم. كما أن الشعبين اللبناني والسوري يتشاركون في الكثير من العادات، ويربط الشعبين عدد لا بأس به من علاقات المصاهرة. وعندما يصبح الأمر جداً، فإن أياً من الشعبين لن يتردد من مساعدة الآخر، وهو ما حدث بالفعل عند الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، حيث وجد اللبنانيون في سوريا أفضل استقبال وعناية وترحاب، كما كان مطار سوريا هو منفذهم إلى الدول الأخرى ومنفذ الآخرين إليهم.
وللأسف فإن العلاقة بعد الحرب رجعت إلى التوتر الذي آلت إليه بعد اغتيال الحريري، خاصة بين "الموالاة" والسوريين، حيث أن المعارضة هي عادة "المتهمة" بـ "الولاء" لسوريا. رغم أن الجميع دائماً ما يردد أن لا علاقة للشعب بالنظام ولا بالسياسة، إلا أن هذه الجملة كما يبدو، مجرد "كذبة" جديدة من "كذبات" السياسيين، نتمنى، كما نتمنى لكل "أكاذيبهم" ووعودهم الأخرى من خدمات وتسامح ووطنية وعيش مشترك، أن تصبح يوماً حقيقة.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية