أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

فظائع مروعة داخل "غرف الملح" يرويها ناجون من "صيدنايا"

صورة تعبيرية


لا تزال أهوال التعذيب وفنون التنكيل التي يتبعها سجّانو نظام الأسد وضباطه داخل المعتقلات سيئة السمعة تحرق القلوب وتدميها لا سيما وأن مرتكبيها يسرحون ويمرحون خارج الأقفاص بدون أي محاسبة.

وبعد مرور أيام على الصور المرعبة التي كشفتها صحيفة "زمان الوصل" والتي وثقت من خلالها نحو 800 سجين تمت تصفيتهم بعدة طرق أبرزها: التعذيب والإعدام على يد ضباط الأسد المسؤولين عن سجن حلب المركزي خلال عامي 2013 و2014 تتكشف شهادات جديدة عن فظاعة ما يحدث في سجن "صيدنايا" المشهور بسفك الدم السوري وبالأخص ما تسمى بـ"غرف الملح" الملأى بالملح الصخري والمخصصة لحفظ جثث معتقلين يموتون جراء التعذيب الوحشي أو بسبب ظروف الاعتقال السيئة.

رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا وثقت في تقرير للمرة الأولى قاعات تُسمى "غرف الملح"، وقد بدأ استخدامها مع ارتفاع عدد القتلى داخل السجن منذ اندلاع الثورة عام 2011.
وقالت وكالة فرانس برس في تقرير رصدته "زمان الوصل" إن إدارة سجن صيدنايا لجأت على استخدام الملح الذي يؤخر عملية التحلل لخلو السجن من برادات لحفظ جثث معتقلين يسقطون يومياً.

وبحسب تقرير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا ومعتقلين سابقين تحدثوا إلى الوكالة الفرنسية, فإنه يوجد "غرفتي ملح" على الأقل في سجن صيدنايا العسكري تُوضع فيهما الجثث حتى يحين وقت نقلها.

ووفق شهادات معتقلين سابقين للوكالة، فإن الملح يغيب تماماً عن الطعام القليل المخصص للمعتقلين والذي لا يتجاوز كمية قليلةمن الأرز والبرغل وحبة بطاطس وبيضة يتقاسمها أكثر من شخص بهدف إضعاف المعتقلين جسدياً وإنهاك قواهم.
وقال عبدو (30 عاماً)، (لم يكشف اسمه الحقيقي خوفاً على أفراد عائلته) إنه استغرب عدم وضع الملح في طعامهم رغم وجود كل هذا الملح في إحدى الغرف لكنه وأثناء خروجه من الحمام الخالي من المياه وعندما تعثر بالجثة الأولى ورأى الجثث الثلاث ملقاة على الملح تجمد من الخوف وبدأت قدماه ترتجفان.
كما ظن عبدو المقيم في لبنان أن مصيره سيكون في غرفة الملح وأن دور إعدامه قد حان فلم تعد تحمله قدماه وجلس قرب الحائط يبكي ويقرأ القرآن.

*تجمد من الخوف والشعور الأصعب في حياته
وأضاف عبدو بأنه بقي في مكانه دون أي حركة لنحو ساعة ونصف الساعة لكونه عاش شعور نهاية العمر وهو الأصعب الذي رآه في صيدنايا حسب شهادته.

عبدو بيّن أن الغرفة المستطيلة تقع في الطابق الأول من المبنى المعروف بالأحمر، والغرفة ستة أمتار بالعرض وسبعة أو ثمانية بالطول، فيما أحد جدرانها من الحديد الأسود يتوسطه باب حديدي والمبنى الأحمر داخل السجن عبارة عن قسم مركزي تتفرع منه ثلاثة أجنحة.

وأكد عبدو أنه أخيراً تنفس الصعداء عندما عاد السجان ووضعه في سيارة نقل السجناء على المحكمة حيث شاهد قرب الباب أكياس جثث سوداء فارغة مكدسة هي نفسها التي نقل فيها وبأمر من الحراس جثث معتقلين ذات يوم.

وأطلق النظام سراح عبدو في عام 2020، لكنه ما زال يستذكر المآسي التي عايشها وباتت عادية أمام هول ما رآه حسبما قال: "في صيدنايا، قلبي مات. لم يعد شيء يؤثر بي.. حتى وإن قال لي أحدهم إن شقيقي مات، بات الأمر بالنسبة لي عادياً".
ولم تختلف تجربة معتصم عبد الساتر (42 عاماً) عن تجربة "عبدو" حيث كان في ذات المبنى الأحمر وفي الجناح نفسه لكن في غرفة مختلفة.

وقال معتصم إنه دخل غرفة سجنه في 27 نيسان/أبريل من عام 2014 وهي بعرض أربعة أمتار وطول خمسة أمتار، ولا يوجد فيها حمام.

وأضاف معتصم أن يتذكر كل تفصيل عندما ناداه السجّان لإطلاق سراحه حيث شعر بأن قلبه كان سيخرج من صدره لشدة الخفقان بل لا زال يذكر طعام إفطار ذلك اليوم "قطعة خبز وثلاث حبات زيتون".

لم يكن يتوقع معتصم أن يفاجئه السجّان بطلب الدخول إلى غرفة "الملح" التي لم يرها من قبل وذلك بعد أن ودّع رفاقه وسار فرحاً خلف سجّانه.

ولفت معتصم المقيم في الريحانية (جنوب تركيا) إلى أن قدميه غرقتا في مادة خشنة قبل أن ينظر ويتأكد أنه ملح بعمق 20 إلى 30 سنتمتراً، وأنه ذات الملح الصخري الذي يستخدمه النظام لتذويب الثلج المتراكم في الشوارع أيام الشتاء.

*الجثث تشبه المومياء
وبما أن معتصم كان محروماً من الملح داخل السجن تذوق بعضه قبل أن تقع عيناه على أربع أو خمس جثث ملقاة في المكان مشيراً إلى أن تلك اللحظة أصعب من لحظة الاعتقال ليقول في نفسه أنهم سيعدمونه ويضعونه بينهم فهو بالأساس يشبههم.
ويرسم معتصم لحظات تواجده لمدة 3 أو 4 ساعات في غرفة الملح مضيفاً أن الجثث كانت تشبه المومياء وكأنها محنطة ولا تعدو كونها هيكل عظمي يكسوه اللحم ومعرض للتفكك بأي لحظة.

ووفق رواية معتصم الذي دخل السجن في العام 2011 وكان وزنه حينها 98 كغ فخرج منه بوزن 42كغ، أجبره الخوف على التبول في الغرفة ليسارع إلى تغطيته بالملح حتى لا يراه الحارس.

ولم يتمكن المعتقلان السابقان "عبدو ومعتصم" من معرفة سبب وضعهما في غرفتي الملح لبضع ساعات مشيرين لعدم انبعاث أي رائحة كريهة من الغرفتين لكن معتصم اعتقد أن ذلك لإخافتهما.
واعتقدت رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا أن أول "غرفة ملح" وُجدت في النصف الثاني من عام 2013، مع اشتداد التعذيب وتردّي الأوضاع في السجن وفق شهادات ناجين وموظفين سابقين في السجن.

*سعادة الملح.. ثروة كبيرة
وتحدث ناجون آخرون عن أسلوب مختلف يعد الأسوأ في صيدنايا ألا وهو "الجوع الدائم" نتيجة النقص الكبير في الطعام وكان كمية قليلة من البرغل أو الأرز، أو حبة بطاطس أو بيضة مسلوقة يتشاركها أكثر من شخص مع غياب الملح الذي يعوضون قلته بشرب مياه يضعون فيها نواة الزيتون المالحة بعض الشيء.

واوضح قيس مراد (36 عاماً) الذي أفرج عنه عام 2014 أنه ما زال يعاني من مرض السل وكان يقضي ساعات طويلة وهو يستخرج حبيبات الصوديوم من مسحوق غسيل الثياب.
ويذكر قيس أنه استدعي للزيارة في أحد أيام صيف 2013، حيث استرق النظر حين كان وجهه على الحائط جاثماً على ركبتيه ورأى الحراس يكدسون أكثر من عشر جثث فوق بعضها وقدماه تدوسان مادة خشنة.

وروى قيس أن زميلاً له عاد من الزيارة فأخرج من جيبه وجواربه كميات من الملح الصخري أتى بها من غرفة مفروشة بالملح وفق كلامه ورجّح قيس أن تكون الغرفة ذاتها التي رأى فيها الجثث.

أمّا محمّد فارس (34 عاماً) روى عبر الهاتف من ألمانيا أن صديقاً له عاد في يوم من نيسان عام 2014 على الزنزانة وجيوبه ملآى بالملح الذي جلبه من غرفة كانت مفروشة بالملح دخلها بعد أن طلب منه الحارس أن يضع جثثاً في أكياس داخلها.

ولم يكن فراس الذي أمضى سنتان وخمسة أشهر في صيدنايا ليخفي سعادته مع رفاقه بالملح معتبراً انه ثروة كبيرة داخل المعتقل.

من جهته, قال الشريك المؤسس في الرابطة "دياب سرية" من مكتب الرابطة في "غازي عنتاب" التركية إنهم تمكنوا من تحديد غرفتي ملح على الأقل، وكل منهما استخدمت لتجميع جثث الأشخاص الذين قضوا تحت التعذيب او توفوا جراء الأمراض أو عمليات التجويع.

وأضاف سرية أن الجثث تبقى من 2-5 أيام داخل المهاجع الى جانب المعتقلين كأحد أساليب العقاب، قبل نقلها إلى مستشفى عسكري لتوثيق الوفاة ثم إلى مقابر جماعية.

وبحسب سرية، فإن الهدف من الملح هو حفظ الجثث، إذ إن الملح يمتص السوائل والإفرازات، ويحول دون أن تفوح رائحتها، وذلك لحماية السجانين وإدارة السجن من البكتيريا والأمراض.

وشرح سرية صعوبة نقل الجثث يومياً على خارج السجن خاصة في فترات اشتداد المعارك بين النظام والمعارضة بين عامي 2013 و2017 بالإضافة لوجود ضحايا كُثر مع عدم وجود برادات للموتى ما دفعهم لاستخدام الملح الذي يأتي من سبخات جبول في حلب.

وقال الأستاذ المساعد في علم التشريح في جامعة "بوينت لوما" في كاليفورنيا جوي بلطا إن الملح يقوم بامتصاص المياه ما يقلل من تكاثر البكتيريا وبالتالي له القدرة على تجفيف أي نسيج حي.

وأضاف بلطا أن الملح يتيح فترات حفظ أطول فيما لو تم حفظ الجثة في الغرف الباردة لأسابيع من دون أن تُظهر علامات تحلّل.
وتابع بلطا أن الملح كان يستخدم في التحنيط (شهرة الفراعنة) عندما كانت الجثة توضع في محلول "النطرون" المكون من ملح كربونات الصوديوم.

*معسكر موت
كما وصف سرية سجن صيدنايا بأنه "معسكر موت" أراده النظام أن يكون ثقباً أسود، لا يعرف أحد عنه شيئاً، فيما هدف تقرير الرابطة إثبات أنه ليس ثقباً أسود بل أحد أجهزة الدولة محكوم بقوانين وعلاقات تنظيمية.

وشدّد سرية على وجوب عدم إغلاق سجن "صيدنايا" باعتباره يمثل ذاكرة بلد، داعياً على ضرورة تحويله إلى متحف مثل معسكر "أوشفيتز" ليذكر الأجيال ويعرفوا بأنه: "هنا تعرّض أشخاص للتعذيب، هنا قُتلوا".

وبحسب توثيق رابطة معتقلي ومفقودي صيدنايا، فقد دخل إلى سجن صيدنايا نحو 30 ألف مدني منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011 ولم يخرج منه سوى 6000 شخص.

ووفق أرقام الرابطة، فإن ما يقارب الـ24 ألف شخص باتوا بحكم المفقودين ولا يكلف ضباط ومسؤولو نظام الأسد أنفسهم إبلاغ ذوي المتوفى بوفاته ولا يسلمون جثث الضحايا في حال بلغوهم وحصلوا على شهادات وفاة لهم.

زمان الوصل
(202)    هل أعجبتك المقالة (389)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي