يعمل الصحفي السوري المقيم في اسطنبول "أغيد شيخو" منذ أشهر على مشروع فني أطلق عليه أسم "أنسنة الآثار السورية" بغرض تحويلها من معالم جامدة ومجرد كتل حجرية صلدة إلى كيان حيوي يحمل في تفاصيله وملامحه انفعالات وأحاسيس قريبة من الكائن الإنساني وشبيهة به وتقترب لأن تكون على هيئة بشر أو طائرا أو سمكة أو حدأة، كما يمكن تأويلها لأشكال أخرى، حسب نظرة المتلقي وخياله.
ويستخدم مصطلح "الأنسنة" الذي يعني عملية التحول إلى إنسان في سياقات مختلفة نسبيًا بمجالات علم الأحياء القديمة وعلم دراسة مستحاثات أسلاف البشر وعلم الآثار والفلسفة والإلهيات.
قبل ثلاث سنوات عمل "أغيد" المتحدر من "عفرين" بريف حلب على برنامج صباحي يومي عبر إذاعة "وطن" المحلية، فكان للتاريخ السوري والمواقع الأثرية حيّزاً يومياً كذلك ضمن البرنامج، ولكنه لم يرغب كما يقول لـ"زمان الوصل "في تقديم ما تمّ تكراره من معلومات أو حديث عن مواقع أثرية معروفة مسبقة لدى المتلقي، وهنا كانت نقطة البداية في محاولة البحث عن أماكن ومواقع أثرية لم يتم تسليط الضوء عليه أو ليست معروفة بالشكل الأمثل لدى المستمع.
وأشار الصحفي الشاب إلى أن فكرته هذه أوصلته إلى البحث في المدن المنسية أو "المدن الميتة" في الشمال السوري، والتي وإن كانت معروفة كـ"تسمية" إلا أنها غائبة عنّا كمعلومات تفصيلية عنها وعن تاريخها، ولذلك بدأ -كما يقول- رحلة البحث من هناك معززاً بدافع واهتمام موجود مسبق بالتاريخ السوري، وكمحاولة لتسليط الضوء على ما تم تجاهله لعقود.

ولأن التأثر المرجو في المتلقي لا يمكن تحقيقه إلا باستخدام وسائل متعددة من الاتصال، كان عليه أن يحول المسموع إلى مرئي أيضاً، وبذلك يكون قد استهدف –كما يقول- شريحة أكبر من المتلقين الذي قد لا يستسيغون الراديو أو سماع معلومات قد تبدو باهتة ورسمية إلى حدّ ما، فكانت خطوة تصوير هذه الآثار على شكل شخصيات وسيلة إضافية في محاولة التأثير وتسليط الضوء.
ولفت محدثنا إلى أن ما تم إنجازه من مشروع تخطى حاليا 15 لوحة جاءت بعد تجارب عديدة في محاولة لتقديم المواقع الأثرية في عموم سوريا بشكل وطريقة جديدة مختلفة عمّا تم تقديمه سابقاً، أما عدد اللوحات التي يفترض إنجازها فهو غير محدد، ربما بعدد المواقع والمستوطنات القديمة في الشمال السوري.
وأوضح بأنه اعتمد مثلاً الزخرفة الإسلامية في مرحلة ما، ولاحقاً على فن الفراكتال الذي يعتبر من أحد الفنون الرقمية الحديثة إجمالاً، لكن جميع التجارب-حسب قوله- كانت تنتهي عند حدّ معين لم يتمكن من تخطيه، وخاصة من ناحية تقديم فكرة جديدة للمتلقي في كل لوحة مشغولة وهذا ما كان يشعره بأن اللوحات بدأت تصبح قريبة أو نسخاً متشابهة عن بعضها، وإن اختلفت المواقع الأثرية.
لكن بعد محاولات عديدة اتضحت الصورة أكثر وأخذت المواقع الأثرية أشكالاً أقرب ما تكون إلى الإنسان أو ما يشبه الإنسان في صورته.
وتابع شيخو: "بحكم الاختلاف الشكلي الذي لا يمكن أن يتشابه فيما بين البشر إلا نادراً، وجدت أن الأنسنة هي الطريقة الأنسب لطرح تلك المواقع ضمن أسلوب واحد وأفكار مختلفة، فأحقق بذلك عدّة أهداف في آن معاً، فمن جانب أوحّد أسلوب الطرح أو شكله العام، ومن جانب آخر أخلق شخصيات مختلفة بذات الأسلوب مما يبعد الممل البصري أو الروتين البصري لدى المتلقي".
ورغم اختلاف أساليب الطرح بين زخرفة إسلامية أو فن الفراكتال أو تجسيد إنساني "أنسنة" لهذه المواقع إلا أن جميعها -كما يقول- صاحب المشروع تصب في خدمة الهدف الأساسي من العمل والمتمثل في تسليط الضوء على هذه المواقع التي بالرغم من عيش الكثيرين ضمنها إلا أنهم لا يعرفون عنها إلاّ القليل.
واستدرك أن "أهمية أو قيمة الأشياء تزداد بازدياد معرفتنا لها ولتاريخها، ففي الوقت الذي قد لا يشكل فيه عكّاز خشبي أية قيمة بالنسبة للبعض.. قد يأخذ حيزا لا يستهان به من الأهمية بالنسبة للبعض الآخر إن أدرك الشخص تاريخ العكاز وارتباطه بأجداده أو من سبقوهم بقرون.
وحول طريقة عمله على "أنسنة المواقع الأثرية، وهل هناك معايير محددة للأثر الذي يريد أنسته أوضح "شيخو" أن هناك معيارا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه قبل الشروع في العمل على أية لوحة، وهو أن تتمتع الصورة بجودة ودقة لا بأس بها دون أن تحمل تواقيع ضخمة تشوه ملامح الموقع الأساسية، وباستثناء ذلك ليست هنالك معايير محددة للعمل على أية صورة أو أي موقع.
ونوّه إلى أنه يحاول التركيز على المستوطنات أو المواقع الأثرية المنسية أو التي غير المعروفة لدى المتلقي، سواء أكانوا من المهتمين بالمواقع الأثرية السورية أو كانوا أناسا عاديين، مما يعني محاولة الإلمام بكافة المواقع الأثرية على الجغرافية السورية دون استثناء.
وعن انحسار اهتمام الناس بالآثار في ظل الحرب وأوضاع البلاد المدمرة وهل مشروعه محاولة لإعادة جزء من الارتباط بين الناس والآثار، أبان محدثنا أن جزءاً مما أراد قوله في هذه الأعمال هو أن لأماكن تتمتع بشخصية وكيان مستقل أيضاً كما البشر تماماً، وما يصنع شخصيتها هي الأحداث والمواقف التي تمر بها عبر تاريخها من أحداث محزنة أو مفرحة.

وأردف أن كل ما تمرّ به، أو مرّت به هذه الأماكن من إنجازات وخيبات.. ساهمت جميعها في صنع شخصيتها المستقلة، بالإضافة إلى أنه بالقدر الذي نصنع فيه نحن أو نؤثر فيه نحن في تكوين شخصية هذه المواقع الأثرية… هي أيضاً لها دور رئيسي في صنع شخصيتنا نحن البشر من خلال الذكريات والمواقع التي عشناها أو التي لم نعشها في هذه المواقع.. فجميعها أيضاً تساهم في تشكيل شخصيتنا ومواقفنا أو آرائنا تجاه الحياة وما تحمله..
ولفت "شيخو" إلى أن الساحة السورية تحوي مواهب وشبابا بأفكار استثنائية، وخاصة فيما يتعلق بالغرافيك والفن الرقمي الذي أخذ حيّزا واسعا من العمل والانتشار بعد عام 2011، ولكن جل ما صادفه من أعمال كانت ميّالة للشأن السياسي منها للتاريخ والآثار، وهي موضوعات فرضها واقع الحال في سوريا وما تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن.
واستطرد أن الأحداث كان لها انعكاساتها على الشباب وأفكارهم والموضوعات التي نجد أنفسنا أحياناً لا نستطيع التفكير في غيرها، وهي حالة طبيعية لا بدّ من التشبّع بها استغلالها بالأدوات التي يراها كل "متأثر" فيعالجها ويهذبها ليعيد طرحها على المتلقي باسلوبه وطريقته الخاصين، حتى وإن لم تكن الموضوعات قريبة أو على صلة بالتاريخ إلا أننا بحاجة إلى هذا التنوع والاختلاف في المواضيع وطريقة المعالجة أو الطرح، لأننا حينها فقط يمكن أن نقول مستقبلاً كانت لدينا حركة فنيّة شبابية.
وبالعودة إلى علاقته بالآثار التي عمل على أنسنتها وأيها أقرب إلى فكرة مشروعه أكد "شيخو" أنه يحاول الوقوف دائماً على مسافة واحدة من جميع المواقع الأثرية صراحة، وبالرغم من الانجذاب الذي يصعب مقاومته تجاه الأماكن الذاخرة بالقصص والحكايا، إلاّ أنّ متعة البحث واستكشاف قصص جديدة عن مواقع منسية، دائماً ما تكون مغرية أكثر للمخيلة.
وأردف أن الأحداث والقصص التي مرّت بها هذه المواقع هي من تصنع شخصيتها وكيانها… فبالتأكيد تكون أنسنة هذه المواقع أسهل من غيرها، لكن بحثنا ليس عن السهل بقدر ما هو بحث عن الجديد والمختلف.
وفيما إذا كانت هناك نية لإقامة معرض للأعمال التي نفذها في إطار مشروعه، أشار "أغيد" إلى أنه ينوي إخراج هذه الأعمال من الفضاء الإلكتروني لتصبح محسوسة أكثر بالنسبة للمتلقي بمجرّد توفر الشروط والظروف المناسبة، لكنه ليس هاجساً أو هدفاً بحد ذاته، وختم أن ما يشغله حالياً هو الاستمتاع بلحظة الخلق، وكل شيء دون ذلك أمور ثانوية قد تتحقق في أية لحظة.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية