طرح سؤال الهوية الثقافية منذ وقت مبكر من تشكل الحضارة العربية الإسلامية..كان هناك تناقض ظاهر لكنه صوري بين اعتبار الإسلام معبرا عن هذه الهوية و بين اعتباره حالة فكرية إنسانية تخاطب البشرية بأسرها..وجه الاتهام لما أصبح يصنف فيما بعد كفرق من الهراطقة أنهم عبارة عن نتاج للتأثر ب"أنساق فكرية خارجية" غريبة أو لتبني بعض أو مجمل هذه الأفكار خارج إطار "الفكر الإسلامي الصحيح" سيعتبر الغزالي مثلا الفلاسفة العرب مجرد مقلدين مبهورين بالفلسفة اليونانية و سيعود مصطفى صادق الرافعي مثلا في مواجهته مع مقاربة طه حسين القائمة على حرية الشك الديكارتية في مسلمات التاريخ بما فيها المرتبطة بالمقدس إلى ذات المقاربة الاتهامية القائمة على تمييز واضح بين "نحن" الحاملين لحقيقة الهوية و ال"هم" الذين يريدون تشويه هذه الهوية لغرض إلغائها..بالمقابل كان دعاة الأخذ بالفكر "الجديد" يرون أن ما يصح بالعقل يكتسب بعدا يرتبط بالوجود الإنساني خارج حدود الزمان و المكان و بالتالي يكتسب شرعية أعلى من الالتزام بالتراث الثقافي للجماعة..في جانب منه عكس هذا الجدل صراعا على طريق الوصول إلى الحقيقة : النص أم العقل..قد يكون سؤال الهوية وفق هذا الطرح بسيطا لكنه يفقد على الفور هذا المظهر البسيط و المباشر بمجرد استدعاء قراءة هينتنغتون للعلاقة بين الحضارات الذي يرى هذه العلاقة صراعية لا محالة و بالتالي يفصل بين العقل الإنساني كظاهرة بشرية كونية عامة خارج حدود الزمان و المكان و بين الحضارة كنتاج إنساني مركزي..هنا يصر هينتنغتون على أن الحضارة كظاهرة إنسانية ترتبط أساسا بمحدداتها الإقليمية و بالتالي ينسف "الإدعاء" القائل بأن نتاجها الثقافي هو حالة إنسانية عامة و لا فرق هنا بين مقاربتي هينتنغتون و فوكوياما التي رغم أنها تستبعد حتمية الصراع بين الحضارات لكنها ترى أن حالة حضارية بعينها هي التي تمثل المرحلة الأعلى من التطور الحضاري و يختزل عملية التثاقف الحضاري إلى مجرد تعميم قيم هذه الحضارة على الحضارات الأدنى المتخلفة..هنا يقف صموئيل هينتنغتون و فوكوياما على نفس الدرجة مع الغزالي و أي منكر لوجود حالة حضارية فكرية إنسانية عامة و يبقى الخيار هنا هو بين حالات مغلقة تعبر عن هويات منفصلة بل و تعيش في حالة صراع عميقة إلغائية الطابع..يرتبط هذا الجدل بالصراعات السياسية الدائرة بشكل صميمي إذ يريد من جهة تبرير حالة التعالي تجاه الآخر و السيطرة عليه و من جهة أخرى يريد أن يحافظ على البنى السياسية و الفكرية القائمة بعيدة عن أي تغيير "قادم من الخارج"..هنا يصبح الحديث عن مشترك إنساني يبرر مرجعية العقل يوجد بالضرورة خارج هذا الجدل باتجاه تأسيس حالة تثاقف حضاري مفتوح بعيدا عن إلغاء أو احتواء الآخر أو أية مرجعية خارج مرجعية العقل الإنساني , تثاقف لا يمكن إلا أن يكون مرتبطا برفض كل ما يناقض هذه المرجعية على طرفي هذا التثاقف من حروب إلغاء و استعمار أو إنكار العقل أو القيم الإنسانية جميعا على أنها جوهر الوجود الإنساني خارج حدود الزمان و المكان
سؤال الهوية الثقافي....
مازن كم الماز
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية