رواية سورية تتناول أزمة الانتماء والهوية والواقع العربي اللافظ لأبنائه المتميزين

"إلى المتمردة أرواحهم من أجل قسطٍ من العدالة في هذا العالم البائس.. انتصرنا أم نُفينا، يكفينا أننا لم نجبن حين كان السؤال: بأي لونٍ تموت؟" بهذه العبارات الطافحة بالدلالات الرمزية يقدم الروائي السوري الشاب "بلال البرغوث" روايته الجديدة (لقيط وأمه ومئة امرأة) التي تلامس أزمة الانتماء والهوية والواقع العربي الذي يلفظ أبناءه المتميزين، وتسرد الرواية الصادرة حديثاً عن دار موزاييك للدراسات والنشر في اسطنبول عبر 226 صفحة من القطع المتوسط قصة شاب يدعى "نيار" مولود بلا أب يعرفه ومن أم حوّلها المجتمع إلى مومس يقاوم جلد المجتمع ونهشه للحم ولد ذنبه انه وُلد لا يعرف والده..يكبر بعدما عاند قدره منذ صغره..ويصير خبيراً بالآثار..لكنه يهرب من بلده "مصر" نحو ألمانيا، كي يبني عالمه الجديد بعيداً عن معايرة أولاد الحي له وبعض الأصدقاء..وينتقم من واقعه السابق باستباحة كل النساء اللواتي عرفهن انتقاماً من أمه ومن ذلك المجتمع الذي كان يعيّره بنسبه. -كما جاء في تقديم الدار  الناشرة-  وبين تلك التفاصيل تنكشف أمامه جريمة سرقة آثار من بلده الأم ويحاول أن يتتبع خيوط الجريمة وهوية المهربين، ليأخذنا الكتاب في عوالم مثيرة وآفاق سردية ممتعة.

في نهاية عام 2019 انتقل "البرغوث" للعيش في برلين بعد أن تنقل بين عدة مدن أوروبية منذ وصوله عام 2015.

ويروي لـ"زمان الوصل" أنه اكتشف في برلين حالة مختلفة عن باقي المدن الأوروبية، فبين صورة المدينة الملونة التي تحاول برلين تصديرها، وبين الجاليات الأجنبية الكبيرة المقيمة فيها، هناك رفض وحشد يميني واضح تجاه حالة العاصمة التي لا يشعرون أنها تمثلهم.

وأردف البرغوث أن هذا الاحتقان بلغ ذروته أثناء موجة الهجرة الأخيرة والتي سببت انقساماً في الشارع الألماني، هذا الانقسام يمكن رؤيته في برلين أكثر من أي مكان آخر في ألمانيا  فالفروق الثقافية والاجتماعية واضحة جداً بين شرق ألمانيا وغربها، ما جعَلها ترمي بظلالها على برلين العاصمة التي تقع شرقاً، والتي قُسِّمت سابقاً لشطرين شرقي وغربي، وهو ما أوحى بالفكرة الأساسية وكذلك لمسرح الحدث الرئيسي في برلين.

*اللقيط وميزة الغفران
 وعن فكرة روايته ولماذا اختار هذا العنوان المشاكس لها أوضح كاتبها أن لفظة اللقيط في عنوان الرواية هو تعبير مجازي للأشياء التي لا يتقبلها المجتمع، ويحكم عليها عادة بأحكام مسبقة.

وأضاف أن بطل روايته الجديدة هو شخص ولد دون أي ذنب، لكن المجتمع حمّله ذنوباً لا حصر لها، وحكم عليه من خلالها، وحوّله من إنسان يحق له العيش بسلام، إلى شخص منبوذ مرفوض، وهو ما يترك ندبات تبقى على طول الزمن.

وتابع محدثنا أن هذه الظروف حولت "نيار" إلى ناقم وعدو لدود لهذا المجتمع ولذاته كذلك، قس على ذلك كل الحالات في مجتمعاتنا أو حتى المجتمعات الغربية التي لا تملك ميزة الغفران.

واستدرك أن بطل الرواية اللقيط وهو مولود لأم تونسية مهاجرة إلى القاهرة حاضر في الرواية بتعبيره المجازي والحرفي، أمّا عن أمه فهي مثال آخر عن استباحة نفس المجتمع لحيواتنا، حيث يحولها إلى مومس، ما يدفع ابنها للانتقام منها باستباحة كل النساء اللواتي يمرّن في طريقه، وهي رمزية النساء المئة في الرواية.

وأبان الروائي المتحدر من مدينة "دوما" بريف دمشق إلى أنه خاض مع ناشر الرواية ومدير دار "موزاييك" الشاعر "محمد العثمان" رحلة مكوكية ومحادثات شبه يومية للاتفاق على عنوان مناسب للعمل، وكان أحد هذه العناوين "خط القاهرة -برلين- تونس"، كناية عن محطات الأحداث.

وأردف أن لكل مدينة من المدن الثلاث هذه رمزيتها، فبين المدينة التاريخية العظيمة التي أخذت تضيق على شبابها، والمدينة الغربية الباردة التي تفتح ذراعيها وتُغلقها حسب أهواء السياسيين، وتونس آخر قلاع الربيع العربي، يتنقل الحدث متماشياً مع قيم كل مدينة، وآخذاً من روحها، وبالتالي خلق هذا الانسجام بين الحيز المكاني المُضيف للفكرة والفكرة بحد ذاتها.

*قوانين غير إنسانية
وحول اختياره في هذا العمل الأدبي حيزاً مكانياً مختلفاً عن روايتيه السابقتين "ممالك البحر الأحمر"، و"ثلاثة لاجئين ونصف"، وهل يمكن اعتبار هذه الرواية مع سابقتيها جزءاً من مشروع روائي يطمح لإنجازه لفت الكاتب الثلاثيني إلى أن هناك اختلافات بينة بين روايتيه الأولى والثانية، فبينما كانت "ثلاثة لاجئين ونصف" رواية بحتة في أدب اللجوء، جاءت "لقيط وأمّه ومئة امرأة" نصاً ثائراً متمرداً على القيم المجتمعية البالية التي لا تمت للدين بصلة، وكذلك على الرأسمالية العالمية التي تحتمي بقوانين غير إنسانية هدفها الحفاظ على رأس المال بين حفنة معدودة من البشر، وما وراء هذا التمرد من قناعة راسخة لدى البعض بأنَّ ليس بالإمكان إلا ما قد كان.

وتابع "البرغوث" أن التسليم للواقع الحالي، دون الانتصار لقيم العدالة التي من المفترض أنها مهمة كل فرد فينا، ولذلك فإنَّ الروايتين تناقشان فكرتين مختلفتين تماماً، ولكن كلا الروايتين، وكذلك روايتي الفانتازية التاريخية الأولى "ممالك البحر الأحمر"، ثلاثتهم يرسمون مشروعاً أدبياً واحداً، قد تتجدَّد أساليبه وتتطور بتطور الحالة الأدبية وكذلك المعارف الشخصية، ولكنه قائم –حسب قوله- على جملة من المبادئ التي تعلمتها من شارع الربيع العربي، وكذلك تجربة المنفى، وبالطبع فإنَّ مَن يقرأ أحد الأعمال يمكنه أن يستشفَّ ملامح هذا المشروع الأدبي الذي آملُ ألا يحيد يوماً عن مبادئه الأساسية في حق العربي بأن يعود لمجده ويستعيد حريته وكرامته.

وعن مدى مقاربة الرواية للواقع وأين تتقاطع مع الخيال لفت المصدر إلى أن الأحداث لا يمكن إلا أن تكون واقعية، فحالة هجرة الكفاءات من المشرق العربي حالة واقعية جداً، وحالة اصطدام الثقافات، وكذلك تهريب الآثار، والصراع الديني والطائفي، والعنصرية، وتسلط الرأسمالية، ونقمة منبوذي المجتمع عليه، وغيرها، هي قضايا واقعية وحقيقية ومستمرة بشكل يومي، ولذلك فهي واقعاً حقيقياً، أما عن الخيال، فهو ربط هذه المسائل مع بعضها في مسرح الحدث، وتهيئته ليناقش هذه القضايا ويصورها، ثم يترك للقارئ مهمة فك عرى هذه السطور بما فيها من أفكار ووقائع تاريخية وآنيَّة.

وحول انشغالاته الأدبية نوّه محدثنا إلى أن مشروعه والأفكار التي يرغب بطرحها في أعمال قادمة نوّه محدثنا إلى أن مشروعه الأدبي يصب في شيء واحد، وهو العمل على تسليط الضوء على المستنقع الذي نعيش فيه كأمة، على أن نتعلم الدرس ونحاول جميعاً كأمة النهوض مجدداً، وهو بالضبط مسرح العمل القادم، الذي يرسم ملامح أمة فاقدة للهوية، تحاول جاهدةً استجماع شظاياها، في مسرح حدث فانتازي وزمان ومكان متخيلين.

و"بلال البرغوث" كاتب سوري ولد في مدينة "دوما" صيف 1992 التحق بكلية طب الأسنان في جامعة دمشق عام 2011، ومع بداية الحرب انتقل إلى ألمانيا، حيث تابع دراسته في جامعتي "بون" و"برلين الحرة"، ويعمل في مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، صدر له رواية بعنوان "ممالك البحر الأحمر-السقوط" ورواية" ثلاثة لاجئين ونصف" عن دار "موزاييك" للدراسات والنشر.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(244)    هل أعجبتك المقالة (164)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي