
في بيت عربي يعلوه القرميد الأحمر وتزدهي أرجاؤه بكل أنواع الورورد والأزهار المثمرة في خاصرة حمص الغربية عاش الفنان السوري "جاسم الدندشي" شطراً من طفولته ويفاعته، فانعكس ذلك على ذاكرته الفنية فيما بعد ليسكبه في لوحات خطية تبدو أشبه بمعزوفات تنطق بالحياة والإبداع وموسيقا اللون.
وينحدر الخطاط "جاسم محمد الدندشي" من مدينة تلكلخ 1957درس في كلية التجارة بجامعة دمشق، وسجل في كلية الآداب قسم التاريخ، لكنه لم يتمكن من إنهاء دراسته، فدرس سنة كاملة 1978 قبل أن يسافر إلى السعودية 1979ويقيم هناك حتى العام 2006.
ويروي "الدندشي" لـ"زمان الوصل" أنه عاش ضمن أسرة تقرض الشعر وتمارس الفن، فجده كان شاعراً وجدته عازفة على آلة العود ووالده استاذ موسيقى. وعمه هو الفنان المعروف "معن الدندشي".
ويضيف: "كان خط جدي جميلاً جداً ويستعمل قلم الرصاص في تدوين أوراقه الخاصة التي كانت مخزوناً فكرياً لي فيها من الشعر والفكر والمعرفة الشيء الكثير فكنت أقرأها وفي كل مرة يأخذني الحنين كي أقلد خطه الجميل وحتى اليوم لا اعرف متى بدأت تعلم الخط والرسم".
في المدرسة كان زملاء "الدندشي" في الصف يطلبون منه رسم ما كان يُطلب منهم ويطلبون منه كذلك خط اسمائهم، وبدأت هذه الهواية تكبر وتنمو في داخله إذ اعتاد أن يخط على جدران المطبخ وهي قاعة كبيرة 100 متر مربع بالطبشور ما كان يطلب منه أو يحاول تقليد كبار الخطاطين في حمص، ومنهم الخطاط "دري السيوفي"، وما زال يذكر توقيعه مرة بالفارسي يكتب (دري) ومرة السيوفي في خط الرقعة، وكان -كما يروي- يرى لوحات "دري" موجودة في كل الشوارع على لوحات بأسماء الأطباء والمهندسين والمحامين وعلى واجهات الدوائر الحكومية كلما زار حمص فيقف أمامها وقتاً طويلاً، وفي دمشق كانت باصات النقل الداخلي تضم بداخلها لوحات من أجمل أنواع الخطوط العربية أمثال الخطاط "بدوي الديراني" وكم كان يستمتع –كما يقول- وهو يرى جمال الخط الفارسي والديواني المكتوبة باللون الأحمر، كما كان يراقب حينها بعض الخطاطين في دمشق يكتبون على القماش وبالفرشاة لوحات إعلانية فيقف ساعات وساعات مشدوهاً ومستمتعاً بما يراه.
غادر "الدندشي" سوريا إلى السعودية بعدها ليقضي هناك أكثر من 27 عاماً، حيث كان يخط ويرسم فيها بشكل يومي، واتجه إلى رسم وجوه الملك والأمراء السعوديين التي كانت تُطلب منه.

ويتابع:"كنت ولا أزال استمتع حين أرى أصابعي ملونة بالاحمر والاخضر والأسود وكانت هواية جمع كتب الخط وأدوات الرسم والفرشاة والأحبار هوايتي الوحيدة، وخاصة كتاب الخط العربي للخطاط العراقي "هاشم البغدادي" الذي اعتدت على تقليد خطه في أوقات كثيرة".
ويسترسل محدثنا مشيراً إلى أنه خط طوال السنوات الماضية من حياته اسم الجلالة أكثر من مليون مرة إذ إنه اعتاد على كتابة اسم الله وآيات من القرآن الكريم كلما شرع بالكتابة، ولو قرر أن يخط القران منذ بدايات تعلمه لكان أنهاه من زمن بعيد، حسب قوله.
ويعيش الفنان القادم من "تلكلخ" في مدينة "مونتريال" منذ العام 2014 متفرغاً لأعماله واضعاً نصب عينيه –كما يقول- رسالة يشتغل عليها وهي إظهار ثقافته العربية إلى الجمهور الكندي، وشارك في معارض متعددة ولديه لوحات عدة مقتناة لدى نواب في البرلمان الكندي وشهادات تكريم منهم وكان الفنان العربي الوحيد من بين 45 فناناً كندياً في أحد المعارض.
ولفت "الدندشي" إلى أنه يشتغل على الخط الفني أكثر من الخط الكلاسيكي لانه يمنحه حرية أكثر في عمل لوحات خارجة عن المألوف، مضيفاً أن السوق يعج بالكثير من اللوحات المنفذة بكل أنواع الخطوط العربية، ولكبار الخطاطين في كل العالم الإسلامي وهم أقدر منه فنياً لذا كان اتجاهه إلى الخط الفني المفتوح الذي يتيح له إظهار طواعية الحرف العربي ومكامن الجمال فيه مستعملاً تكنيكا فنياً خاصاً فإضافة إلى الحبر يستعمل ألوان الاكريليك أحياناً لإظهار الحرف نافراً وهي عملية فنية متعبة جدا ومعقدة.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية