تبدّل الدور الوظيفي لأحد أقدم حمّامّات تركيا، من غسيل البدن وتنظيفه إلى غسيل الدماغ وإشباعه، مع تبدلات أهداف المرحلة التي بنيّ فيها حمام "السليمية" بإسطنبول الآسيوية، قبل 200 عام.
ربما من وصايا من عاش بتركيا أو عرف طبائع الأتراك، أن إياك وفتح أحاديث الحمّامات، فهي بالنسبة لهم كما أحاديث الجّان لدى العرب، فإن كان قرار فتح الحديث بيدك، لاشك أن نهايته، اللهم إن انتهى، بيد جلسائك الذي تحتفظ ذواكرهم بآلاف القصص والنوادر، حول الحمّامات، منذ بدايتها وقت بنّى السلطان محمد الفاتح حمام قصر "الباب العالي" وصولاً لآخر خبر تداوله الإعلام قبل أيام، عن تحويل حمام "السليمية" التاريخي، بمنطقة "اسكودار"، بالقسم الآسيوي من إسطنبول، إلى مكتبة عامة، بعد ترميم استمر لسنوات، لم يمس الطراز والتفاصيل، ليكون أول مكتبة بالعالم بهيئة حمّام.
وفيما بين هذا وذاك، ثمة أحاديث عن الحمّامات العثمانية التي تعدت، خلال ذروة الامبراطورية، 14 ألف حمّام، بين عام "حمامات سوق" وحمامات القصور ومساكن السلاطين وزوجاتهم وما ملكت اليمين، بل وسيتفرّع الحديث، من قبيل لزوم ما يلزم، لحمامات ما قبل الدولة العثمانية، فالتعريج على حمام ولاية "يوزغات" الروماني الذي شفت مياهه المعدنية ابنة الملك، من مرضها الجلدي المستعصي، واجب، كما الولوج إلى حمام "تشيمبيرليتاس" وسط إسطنبول واجب، فهو التحفة المعمارية الحية حتى اليوم، التي أبقاها السلطان سليم الثاني منذ القرن السادس عشر، لكل محبي فنون العمارة والساعين للاسترخاء بين يديّ المكيّس التركي العجوز الذي يعيد لجلد البشرة، اللون والنضارة العتيقيّن.
والأرجح، ألّا تفلت من محدثيك الأتراك، قبل أن تتعرف على الحمّام الروماني ببورصة، فهناك ترك الامبراطور "ثيادرو" منذ 525 للميلاد، تحفة معمارية ليناغيه السلطان سليمان القانوني بمثيل، أضاف عليه بأنه اختار نبعاً للمياه الكبريتية مكاناً للحمام.
بعدها، أنت ومدى حظك بجليس ومدى اهتمامه بالتاريخ وقصص الحمامات، فقد يدهشك بقصص من زار حمام "غلاطا سراي" الذي بناه السلطان بايزيد الثاني منذ عام 1481 وتحوّل اليوم لحمام عام، ويطلعك على مجريات الأحداث منذ دخول الحمام ولبس المئزر والقبقاب مروراً بالاستقبال وغرف التهيئة لحمام ساخن وتحمية الجسم تمهيداً للتكييس والتدليك، وحتى الوداع بـ"البراني" وشرب الشاي التركي إكراماً.
تختلف الروايات التركية، حول أقدم حمامات الدولة العثمانية، وإن كان من اتفاق على حمام "الباب العالي"، الذي أمر محمد الفاتح ببنائه، لكن الملفت، أن الأتراك يؤثرون بأحدث مبانيهم العامة حتى اليوم، على بناء الحمامات وفق النمط العثماني، ولعل بحمام فندق "فور سيزن" بإسطنبول، مثالا على نقل هذا التراث، من أيام العثمانيين إلى أفخم أحياء إسطنبول "بشكتاش" وتضمين أهم فنادق مطلة على مضيق البوسفور، حماماً بكامل مواصفات القدم، التي استمدها من حمام "جاغال اوغلو" المجاور، ثلاث غرف أو قاعات، وغرف ساونا ومقاعد رخامية وبهو واسع، فحمام "جاغال أوغلو" يصنف اليوم، من أجمل الحمامات التركية، بل وكواحد من ألف موقع حول العالم يجب زيارته ولو لمرة واحدة في الحياة، وهذا بسبب كونه آخر حمام تركي بنيَ في فترة الإمبراطورية العثمانية عام 1741.
ولئلا نقع بما نهينا عنه، من البدء بسيرة الحمامات وعدم الانتهاء، سنأتي للقارئ تعريفا سريعاً، على أهم الحمامات العامة بإسطنبول والتي تزيد عن 168 حماماً حتى اليوم.
البداية من حمام "جاغال أوغلو" الذي قارناه بحمام "الفوسرسيزن" فهو الأوسع بين الحمامات الثنائية المنفصلة "المخصصة للرجال والنساء" أو الواحدة ولكن بتوقيتين مختلفين، فهو منذ عهد السلطان محمود الأول، قائم وإن لحقته ترميمات عدة، ويحتوي قسمين، الأول خاص بالمياه الساخنة، والآخر خاص بالمياه الباردة.
وحاز حمام "جاغال أوغلو" الذي أنشئ قبل 300 سنة، كما عرجنا، على مرتبة هامة في قائمة صحيفة "نيويورك تايمز" الخاصة بأجمل 1000 مكان سياحي حول العالم. ويقع في منطقة "أمينونو" السياحية الساحلية وسط إسطنبول.
*حمام تشينلي بالقسم الآسيوي من إسطنبول "إسكودار" ويسمى محلياً بحمام "الكابتين"، بنيّ بأمر من السلطانة العثمانية "كوسام" عام 1640، وهو الحمام الوحيد الذي يحتوي صورًا جدارية لبعض السلاطين العثمانيين، إلى جانب نقوش وكتابات فارسية على جدرانه تأريخ فترة بنائه والسلاطين الذين عاصروه، لكن حمام "تشيتليط في حي "مراد ريّش" يصنف ضمن النجمات القليلة، أي لس كحمام "فوسينزن" أو "جاغال"، إن بأجر دخوله وخدماته أو بطرق العناية والخدمات.
*حمام "السليمانية" يصنف هو الآخر، من بين أجمل حمامات إسطنبول، لتزين جدرانه بالزخارف والنقوش. بنيّ عام1557 على يد أشهر معماريي العثمانيين "سنان باشا" في عهد السلطان "سليمان القانوني" ويقع إلى جانب جامع "السليمانية"، في منطقة "بيازيد". يتكون الحمام من 3 أقسام، اثنين للرجال والنساء، أما القسم الثالث فهو خاص بالسلاطين والأمراء وكان لا يُفتح لغيرهم. والحمام مفتوح حتى اليوم للأتراك والسياح.
*حمام "جيديك باشا" تم تشييده عام 1475 بأمر من الصدر الأعظم "أحمد باشا" ويمتاز كما حمام "الاديرنا كابيه" بوجود مسبح للاستحمام. ويقع حمام جيديك باشا في منطقة "بيازيد" بقسم إسطنبول الأوروبي.
*حمام "غالاطا ساراي" شُيد من قبل السلطان "بيازيد الثاني" عام 1484، بناءً على وصية معلمه "غل بابا". ويعد أكثر الحمامات التي زارها السلاطين والقضاء والولاة. ويقع في منطقة "بيوغلو"، ويقدم خدماته للرجال والنساء.
*حمام "علي باشا" سُمّي على اسم القائد العسكري علي باشا، أحد القادة العثمانيين الشجعان، شُيد الحمام على يد المعمار "سنان" ما بين عامي 1578 و1583. يحتوي قسمًا واحدًا، ويخصص في الصباح للنساء وبعد الظهيرة للرجال. ويقع في منطقة "كاراكوي".
*حمام "جمبرلي طاش": بناه المعمار سنان عام 1584، بناءً على طلب السلطانة "نوربانو". وزُينت جدران الحمام بزخارف جذّابة، ويقع في منطقة بيازيد التي يعود اسمها لابن السلطان سليمان القانوني.
إسطنبول - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية