تمكّن الفنان السوري "محمد الداني" من تصميم مجسم للمسجد الأقصى من الفسيفساء، ناقلاً فيه أدق التفاصيل الموجودة في القبة المشرفة، وما يتضمنه هذا المعلم الإسلامي التاريخي من زخارف وأعمدة وصولا للقبة الذهبية.
وتتمتع لوحات الفسيفساء التي تزين قبة الصخرة والتي ترجع إلى العصر الأموي بشهرة عالمية، وتعتبر من أروع أعمال الفسيفساء في العالم من حيث التصميم والحجم.
لكنها موجودة على ارتفاع كبير داخل القبة لا تتيح للزائرين مشاهدتها عن قرب، وهو ما قام بتجسيده الفنان المقيم في مدينة "هاتاي" التركية ليكون هذا العمل بمثابة تحية للقدس التي تقاوم المخرز الإسرائيلي بكل شجاعة وعنفوان هذه الأيام.
وكرسالة تعاطف واعتزاز لأهل فلسطين وبالذات لأهل القدس المرابطين والمدافعين عن الأماكن المقدسة من السوريين الأحرار.
وينحدر "الداني" من مدينة "كفر نبل" بريف إدلب، درس المراحل ما قبل الجامعية في مدينته ثم التحق بكلية الفنون الجميلة -قسم الرسم، وعُيّن عام 1989 كمدرس لمادة الرسم في ثانوية الفنون النسوية في "كفر نبل"، وبقي إلى العام 2000 كما يروي لـ"زمان الوصل"، مضيفاً أنه اتجه إلى رسم اللوحات الجدارية بعد تخرجه لتحسين وضعه المعيشي، وبعد أن رأى لوحات الفسيفساء في متحف "معرة النعمان" التي تعد من أجمل لوحات الفسيفساء وأغناها في العالم استهوته هذه الفكرة، فأراد تنفيذ لوحات معاصرة بهذا الفن، وكان يعمل خفية لوحات بسيطة، لأن العمل في هذا المجال كان ممنوعاً في محافظة إدلب لاعتقادهم أن هذا تقليد للآثار، ونما عمله بعد ذلك إلى درجة أنه بدأ بتصدير لوحاته إلى لبنان تهريباً، ما دفع قوات الأمن -كما يقول- إلى مداهمة مصنعه واتهامه بتقليد الآثار والإضرار بالبلد، رغم أن مصنعه كان مصدر عيش لأكثر من 30 عائلة، وبعد شهر فوجئ بمدير الآثار يمنحه رخصة هي الأولى من نوعها في سوريا لممارسة العمل في الفسيفساء.

ويستخدم "الداني" الحجارة وهي من عدة مصادر وما يهمه -كما يقول- ليس مصدر الأحجار ولكن ألوانها وكلما توفر لديه درجات لونية أكثر كلما كان هذا عاملاً في نجاح اللوحة وتميزها أكثر، مضيفاً أن هناك مصادر كثيرة للحجارة كالمناشر وبعضها مستوردة من الهند واسبانيا والبرازيل وتركيا مثلاً ومنها ما هو من منشأ سوري كالحجر الأسود والحجر البيجي.
وتابع محدثنا أن هناك درجات للوجوه التي ينفذها ويلجأ أحياناً لاستخدام حجر الروز البرتغالي، وقد يحتاج لحجارة بدرجات غامقة فيضطر لتأمينها من الجبال حيث تتوفر درجات مختلفة في الحجر الواحد.
وكشف محدثنا أن أكثر من 90% من عمله في الفسيفساء قبل الحرب كان في لبنان وأبرز اللوحات التي اشتغل عليها آنذاك مشروع في منطقة "جونية"، حيث نفذ مطعماً على مساحة 448 م داخل البحر ونفذ المشروع مجزءاً في سوريا وقام بتركيبه في لبنان وكان من المفترض أن يدخل في موسوعة "غينيس" كأكبر لوحة فسيفسائية في العالم، ولكن الظروف حالت دون ذلك، كما يقول.
وبعد اندلاع الثورة في سوريا اضطر "الداني" -كما يقول- إلى أن ينقل عمله إلى تركيا عام 2014،لأنه أصبح عرضة للمضايقات ومنع العمل وتصدير اللوحات في المناطق المحررة.
وفي تركيا استلم كما يقول مشروع فندق "بيبلوس" في "أزمير"، حيث صمم 1200 م من الفسيفساء.

وحول مجسمه الجديد للمسجد الأقصى روى محدثنا أن الفكرة جاءت بعد أن تعرف من خلال عمله إلى شاب أردني يدعى "ماجد أبو ناموس" فاقترح عليه تصميم هذا العمل، وبحثا على النت عن صور للقدس وقبة الأقصى من مختلف الجهات ومخططات هندسية له ليبني عليها عمله.
وأردف أنه بنى أول مجسم عام 2016 على مساحة 4 أمتار × 2،5 م وتم تصميمه بشكل يحاكي الواقع من حيث الأرضية والجدران والألوان والنسب القريبة من الواقع بشكل مصغر بالاعتماد على الصور.
وكشف "الداني" أنه بدأ بناء هيكل حديدي للمجسم وقام بتلبيسه بألواح اسمنت (بورد) للصق الموازاييك عليها، وبدأ بعدها بقص الحجر مراعيا القياس المطلوب.
وبالنسبة لقبة المسجد الأقصى استعان بفنان يعمل مجسمات من النحاس وقام بتصميمها بعد تزويده بالقياسات المطلوبة لتحاكي القبة الأصلية وتم حفر الآيات القرآنية كما هي على أرض الواقع وإبراز كافة التفاصيل الهندسية والزخرفية في المسجد المرواني مثلاً وحلقات التعليم والمقامات والدرج والبوابات.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية