قريباً، قد يعلن عن اتفاق نهائي بشأن حل الأزمة الخليجية أو حلحلتها، إن لم يحدث طارئاً أو يعبث المتأذون من المصالحة، فيعيدوا تعويم الخلافات التي زادت، بعد تطبيع دول خليجية مع إسرائيل وتصميم تلك الدول، والإمارات خاصة، حتى الآن على الأقل، أن تبقى خارج مفاوضات ومساعي الحل.
والحل وفق ما رشح، لن يعيد العلاقات الخليجية البينية لما كانت عليه قبل عام 2017، وذلك ليس فقط، بسبب صعوبة جبر ما تم كسره، خلال ثلاث سنوات من التناول الإعلامي والكيد السياسي الذي وصل، ببعض الأحايين، للاتهامية والتآمر والتخوين. إذ بدا ذلك واضحاً من خلال التصريحات، أن الحلحلة ستأخذ البعد الدبلوماسي والإعلامي وتقليل الخسائر الاقتصادية، مع الاحتفاظ بـ"سيادة الدول" وعلاقاتها التي كونتها خلال فترة الحصار والمقاطعة والحرب الباردة، بل ربما يتم زج تلك العلاقات وضرورة فصلها، ضمن بنود المصالحة، فما تراه الرياض اليوم بشأن طهران قد لا تلزم به الدوحة، وكذا لجهة سحب خلافات الإمارات مع تركيا أو طيب تلك العلاقات مع إسرائيل، كشرط على قطر. والعكس صحيح بما فيه، من علاقات مصر الملتبسة، مع جميع الأطراف.
قصارى القول أمران: الأول، أن بدء المصالحة، وإن منقوصة أو غير نهائية، ستسد تغرة فتحت في خاصرة الخليج منذ ثلاثة سنوات، استثمرها كثيرون، سواء لجهة تعميق الخلاف لاستنزاف جميع الأطراف مالياً، أو لبناء تحالفات جديدة، تذهب بما كان متبقيا، من حدود دنيا لتضامن عربي أو أحلام خليجية تعدت يوماً، وحدة العملة وإزالة الرسوم والتأشيرات.
وأما الأمر الثاني وهو ما يهمنا كسوريين، أن تطلعات الشعب للحرية والكرامة، تأثرت كثيراً جراء عداء الاخوة، إذ ليس سراً أن الدوحة والرياض دعمتا الثورة وتبنيّتا أهداف السوريين، خلال سنوات الثورة الأولى، بصرف النظر عن مستوى التبني وغاياته أو الفائدة الاستراتيجية، لكن، وبجميع الأحوال، ومع درجات الخلاف حول فائدة الدعم الخليجي من عدمها، لحق الأذى السوريين جراء الخلاف الخليجي، فوجدنا، ربما جكارة بالطهارة، مد يد الإمارات لنظام الأسد مالياً وسياسياً وبدء تسهيل التجارة والتبادل بين السعودية والنظام السوري..فضلاً عن اختراقات مستمرة للحصار والعقوبات، تجلت بفتح قنصليات وسفارات وزيارات علانية، قادتها البحرين بدفع سعودي حيناً وعمان على الملأ غالب الأحايين.
نهاية القول: على الأرجح أن تستضيف الرياض وقريباً، قمة خليجية لرأب الصدع وكسر جليد العداوة الذي شكله الحصار والمقاطعة، لتولد أسئلة جديدة حول مجريات تلك القمة، فيما لو عقدت ولم نر خلافاً باللحظة الأخيرة، يقلب المعادلة ويصعّد الخلافات، قلنا لأن مستجدات طرأت وباتت عرفاً بقواميس تلك الدول، وربما ليس من السهولة بمكان، إزالتها بتبويس شوارب أو حتى ضمانات بتعويض خسائر وبناء علاقات متينة، ولا حتى بضغط من إدارة الرئيس المنتهية ولايته بالبيت الأبيض، والذي كرس العداء الذي تصاعد مع بداية ولايته والأمل أن ينتهي قبل مغادرته الرئاسة بعد أقل من شهرين. من هاتيك الأسئلة وربما أولها، كيف ولمن سيكون التأثير بتصويب العلاقات المستجدة، بداية مع إسرائيل التي تسارعت عملية التطبيع معها، أبعد من جميع التصورات وبما يتنافى، حتى مع رؤى وطروحات الحمائم الذين منذ قمة بيروت في مارس 2002، غيروا شكل الصراع وسقوف المطالب وطموح الفلسطينيين.
وتالياً مع إيران وما يتكشف يومياً، من هواجسها التوسعية وتدخلها بدول الجوار، عبر دعم المستبدين وإجهاض تطلعات الحالمين، آخذة من الشيعية حاملاً للتدخل، كأداة إضافية لوأد أي تطلع له علاقة ببناء حسن علاقة...أو احترام حقوق الجوار.
وكذا مع تركيا التي باتت بعد وقفتها مع الدوحة، شريكا استراتيجيا عبر 50 اتفاقية ومذكرة تفاهم، لكنها-أنقرة- بالنسبة لشركاء الحصار، أبو ظبي والقاهرة خاصة، عدو تعمّق الخلاف معه لدرجة اللارجعة، أو صعوبتها البالغة على أقل تقدير.
ومن الأسئلة أيضاً، ماهي الطرائق والأساليب التي سنراها بـ"التكويع" إن جرت المصالحة ونتمنى أن تحدث، سواء من أفراد أو وسائل إعلامية أو حتى دول، أوغلوا جميعهم بتكريس وتعميق الخلافات، وكأنهم أعدوا لعداء أبدي. وآخر الأسئلة عن مدى فائدة السوريين وثورتهم، من عودة الوئام الخليجي، وإن بحده المقبول، بعد الأذى الذي طاولهم خلال القطيعة والعداء، ابتداء من مساع خليجية مصرية لتسويق الأسد وإعادة إنتاج النظام وانتهاء بطرد السوريين وفرض شروط قاسية على وجودهم بدول الأشقاء الخليجيين.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية