أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"طه الطه".. رحيل حارس الذاكرة في الرقة

الطه

غيّب الموت أمس الأحد الموثق السوري وذاكرة الرقة "طه الطه" في مدينة "أورفا" التركية بعد حياة قضى أكثر من ثلثيها في الأرشفة والتوثيق وخدمة الثقافة السورية والعربية، حيث أرشف لـأكثر من 1000 مبدع عربي كل ما كتب حولهم، ووثّق لـ 11 أديباً من الرقة، و38 أديبًا من سوريا، و27 أديبًا من الوطن العربي.

وأقام من خلال المتحف الذي أخذ اسمه 12 معرضًا فنيًا، منذ عام 1988 إلى عام 2000، وروى الكاتب "معبد حسون" لـ"زمان الوصل" أن بدايات معرفته بـ"الطه" تعود إلى أكثر من أربعة عقود إذ كان في شبابه منخرطاً بنشاطات سياسية مع بعض الأحزاب اليسارية التي كانت سائدة في الرقة، لكن اهتمامه بالسياسة انكفأ وتراجع فيما بعد لينشغل بالأرشفة والتوثيق.

ولفت "حسون" إلى أن "الطه" عاش في بيئة فقيرة إلى حد العوز والحاجة وهذا الأمر أثّر على تحصيله التعليمي، فلم يكمل تعليمه فوق الثانوي، بل انصرف إلى سوق العمل، وعمل كمستخدم في نقابة المهندسين بالرقة، ومنذ فترة مبكرة من حياته تولد لدى السبعيني الراحل حب وشغف في جمع وأرشفة قصاصات الصحف والمجلات -حسب حسون- الذي أردف أن اهتمامات "الطه" لم تكن مقتصرة على جانب واحد من الثقافة، بل دأب على الاهتمام بالأدب والحركة الثقافية في سوريا عامة والفن والآثار والصحافة واعتاد الأدباء والمثقفون على العودة إليه في الحصول على أي مقال يريدونه ولو مضى عليها سنوات طويلة.

وعبّر "حسون" عن اعتقاده بأن الراحل "طه الطه" ظاهرة لم نعرف منها إلا القشور، ولم تكتشف بعد فقد استغرق في عمله الدؤوب مئات آلاف الساعات من حياته وجهده، ولو قسمنا عمره إلى قسمين حياته الشخصية وحياته في الأرشفة سنكتشف –حسب قوله- أن "الطه" قضى ثلثي عمره ربما وهو يجمع ويتابع وينسق معتمداً على ذاته دون أي مساعدة من أحد جهات أو أفراد.

وبدأ "الطه" -كما يقول حسون- بغرفة في منزله وتوسع نشاطه بعد ذلك ليستأجر فيما بعد مستودعاً قريباً من منزله ليحوله إلى متحف بضم العديد من الأقسام "قسم الفلكلور الشعبي" ويشمل لوحات في الفن الفطري، والقديم من الأدوات المنزلية والزراعية والحلي والأزياء الشعبية و"قسم الأرشيف" الذي يضم آلاف الصحف والمجلات السورية والعربية التي تغطي قرنين من الزمن و"قسم الآثار" الذي تبرع به لدائرة الآثار والمتاحف (متحف الرقة الرسمي)، ويحتوي على 102 قطعة من اللقى الأثرية ومنها كسر فخارية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، وخاصة عصري "حلف" 5000 ق.م، و"تل العبيد" 4000 ق.م.

وأشار "حسون" إلى أن "الطه" كان صديقاً لكل البعثات الأثرية ودأب على تصوير كل قطعة أثرية يتم اكتشافها في الرقة.

عندما بدأ قصف الرقة وتدميرها أواخر العام 2013 نزح "الطه" مع عائلته إلى مدينة "أورفا" دون أن يتمكن من اصطحاب أرشيفه الضخم –كما يقول الحسون- مضيفاً أن "الطه" عاش كعادته في فقر مدقع ولم يساعده أحد رغم أن ما قدمه خلال أكثر من 40 عاماً للثقافة السورية تعجز عنه وزارات ومؤسسات ضخمة، بل حكومات دول وأصيب "الطه" بجلطة دماغية دخل على أثرها إلى أحد مشافي "أورفا"، حيث فارق الحياة هناك بعد عدة أيام من الغيبوبة ليدفن في مقبرة (الدامرقول) بمدينة أورفا التركية.

وبدوره أشار الكاتب "عبد الرحمن مطر" أن "الطه" بدأ حارساً للذاكرة الثقافية في الرقة، لكنه سرعان ما تجاوزها إلى العالم العربي، متتبعاً نتاج الكتّاب السوريين والعرب، إضافة إلى همّه الفريد في توثيق السيرة الثقافية لمبدعي الرقة من كتّاب وأدباء وفنانين.

وكشف "مطر" أنه عرف "الطه" مبكراً بحكم اشتغاله في قطاع الثقافة، ولم يلبث أن صار صديقا حميماً له، يزور مكتبة المركز الثقافي، كي يتزود بما تقدمه من إصدارات وكتب، بمبادرة فردية منه، بما يمكنه من القيام بالجهود المضنية، في أعمال التوثيق والأرشفة.

ولفت المصدر إلى أن الراحل "عبد الغفور" أحد رواد العمل الثقافي في الرقة ساهم بصورة فردية مع بعض مثقفي المدينة، وكتابها في دعم "طه الطه".

وتابع أن الراحل "الطه" أنشأ مؤسسة ثقافية غير حكومية، مهمة، ليس في إطار التوثيق والأرشفة فحسب، وإنما في الأنشطة والفعاليات التي دأب على تنظيمها –كما يقول- بصورة سنوية يُكّرم فيها متحفه كتاباً وفنانين من أبناء الرقة، وبمساهمة كتاب سوريين وعرب، ما يجعل من نشاطه مميزا، وبعيدا مؤسسات الدولة الجاحدة.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(260)    هل أعجبتك المقالة (265)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي