هي أحد مواويل بردى المنثورة على الضفاف، مفرداته: ماءٌ ،وخضرةٌ، وغيمٌ طيبُ القلبِ حنون ، وعرائشُ عنب.
سمّها عروس الغوطة إن شئتَ، وأخت دمشق الصغرى، والصغير دائماً مدلل.
قلِ البيوتَ الكثيرة، والألفة كما يبوح اسمها السرياني.
وقلِ الحب، فإله الحب الروماني «إيروس» هام في بساتينها الغناء كما تروي الأسطورة، فأُقيمَ له تمثال فيها، ضمّه متحف أختها الكبرى.
زارها الشاعر البحتري رفقةَ الخليفة العباسي المتوكل، فأنشد بجمالها وطيب جوها وخصوبة أرضها:
العيشُ في ليل داريا إذا برَدا
والراحُ نمزجها بالماء من بردى
هي داريا عاصمة الماء والعنب والخضرة، التي حولتها طائرات الأسد إلى عاصمة البراميل المتفجرة.
* أول أوراق الدوالي
سجلت مدينة داريا حضوراً مبكراً في ثورة الكرامة السورية ضد نظام الأسد ، فمنذ 25 آذار/مارس عام 2011خرجت أولى مظاهراتها السلمية التي لاقتها الأجهزة الأمنية بالرصاص، فسقط العديد من الشهداء، لم يأبه أهالي داريا بذلك فما لبثت أن تجددت المظاهرات، وأخذت شكلاً منظماً ومتواتراً ولافتاً وخاصة بعد إصدار لجانها التنسيقية جريدة أسبوعية دُعيت "عنب بلدي" التي عُنيت بشؤون الثورة والتوعية لها، وكانت توزع بشكل سري خوفاً من بطش النظام الذي نشر الحواجز الأمنية في المدينة، وقطع أوصالها.
هتافات ثوار داريا وصلت إلى مسامع بشار الأسد في قصره الجمهوري القريب من المدينة الثائرة الأمر الذي أقض مضجعه وهز أركان حكمه، وخاصة بعد أن دخلت الثورة المرحلة العسكرية حيث وجه ثوارها ضربات موجعة للأسد الذي خسر جيشه أكثر من ستين دبابة مما حدا ببعض العسكريين لتسمية داريا بمقبرة دبابات الأسد.
*حين امتزج العنب بالدم
ذاتَ آبٍ - مضى عليه اليوم ثمانية أعوامٍ مما يعدون، وألف حزنٍ مما نعاني - كانت عرائش داريا تشي بعناقيد العنب، وبأشياء أخرى أواخر أيلول سيأتي، وقتها لم يُمهل المجرمون الأهالي ليقطفوا العنب بأيديهم، بل أثروا أن يقطفوها بالبراميل، فامتزج دم الشهداء بالعنب وزادهُ حلاوة.
بدأت مجزرة داريا الكبرى - كما أصبحت تُعرف - في 20 آب /أغسطس عام 2012 واستمرت ثمانية أيام، صادف خلالها عيد الفطر، وكعادة الجيوش الغازية، قام جيش الأسد الذي ادخر فنونه الحربية أمام العدو الصهيوني، ليقوم بتنفيذها في مواجهة شعبه الأعزل، فبدأ بقطع الكهرباء والاتصالات عن داريا بعد أن أغلق مداخلها ومخارجها، تلا ذلك قصف تمهيدي كثيف على المدينة بقذائف الهاون والبراميل المتفجرة بمعدل 40 برميلاً يومياً فكانت تلك هدايا العيد لأطفال داريا، بعد انتهاء القصف اقتحمت عناصر ميليشيات الأسد وحزب الله والفرقة الرابعة والحرس الجمهوري المدينة في وضح النهار، كانوا يدخلون على المدنيين في بيوتهم ويجهزون على عائلات بأكملها رمياً بالرصاص وذبحاً بالسكاكين، وبلغت وحشيتهم وحقدهم حدّ قطع رؤوس العشرات بمنشار تقطيع الأشجار الذي يعمل على البنزين فلعله تراءت لهؤلاء الحاقدين قامات رجال داريا الراسخة كأنها أشجار باسقة أعلى من أحجامهم الطحلبية.
كان يوم الخامس والعشرين من شهر آب أكثر أيام المجزرة دمويةً فبعد خمسة أيام من القصف غص المشفى الميداني بالجرحى، وقصد الأهالي بالمئات المساجد وأقبية المباني طلباً للأمان فكانوا هدفاً سهلاً للمجرمين الذين أعملوا فيهم الرصاص وقتلوا في مسجد "أبي سليمان الداراني" وحده سبعين شخصاً خلال دقائق قليلة، ونجا اثنا عشر آخرين، كانوا يقولون للجرحى: سنريحكم من الألم ويعاجلونهم بطلقة في الرأس.
بحلول اليوم الثامن للمجزرة بلغ عدد الشهداء أكثر من 700 شخصاً، تم التعرف على هويات 500 منهم فيما الباقين لم يمكن التعرف عليهم بسبب التشويه الناجم عن الحرق والقصف .
بعد هذه المقتلة الفظيعة نزح أكثر من 90 بالمئة من أهالي داريا.
الآن وبعد ثماني سنوات على المجزرة يجلس قربي أحد الناجين منها، يُطرق ردحاً من الحزن، ثم يسرح بعيداً جهة داريا ويجهش بالموال:
(عالعين موليتين
ياعين موليا
يامين يعبّي السله
من عنب داريا).
سليمان النحيلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية