قال مخاطباً رأس النظام السوري بعد اندلاع الثورة السورية :(الشعب لا يريدك، ماذا تنتظر يابشار، ألا ترحل عنا؟ خذ ماتشاء وارحل).
ضابط في جيش ظنه سورياً، وقائد كتيبة دبابات، رفض تنفيذ أوامر قادته بقصف إحدى البلدات الثائرة على نظام الأسد، فأمست حياته رهن ضغطة زناد.
في وجهه ملامح سمرة بدويةٍ أصيلة، وعلى محياه ابتسامة معلقة كقمر لا يغيب، متواضع كينبوع، ومهيب كسيل، منحه الله بسطة في الجسم والعقل، عمل منذ يفاعته مع والده في منشرة للأحجار، فقدّم له الصخر فروض الطاعة. ولد في "جرابلسَ" الشمال على مرمى وردة من حلب وعشيرة يمام.
وهبه ريف الشمال الممتد طائلا من فرلسة، لا يروي عطشه إلا الفرات النهر، فتكنّى بعذوبته، وما لبث أن تأبطه وخرج إلى دروب الحياة.
هو "يوسف أحمد الجادر" أو "أبو فرات" كما كان يحب أن ينادى، والذي تمرّ ذكرى انشقاقه عن جيش الأسد في هذه الأيام، لتعيد إلى أذهان السوريين ذكرى أحد رموز ثورتهم اليتيمة.
ولد أبو فرات في "جرابلس" عام 1970 لعائلة فقيرة مكافحة، غادر مسقط رأسه إلى حلب بعد نيله الشهادة الثانوية ليتابع دراسته في معهد إعداد المدرسين، ولكن بعد عام، كان للقدر رأي آخر، فترك المعهد والتحق بالكلية الحربية في حمص التي تخرج منها عام 1993 برتبة ملازم أول في سلاح المدرعات وبدرجة جيد جدا، حيث كان ماهرا في اختصاصه ما أهّلَهُ للتدرج بالرتب العسكرية حتى نيله رتبة مقدم واستلام منصب قائد كتيبة الدبابات في مدينة اللاذقية التي كان يخدم فيها عند اندلاع الثورة السورية عام 2011.
منذ بداية الحراك الشعبي السلمي أدرك أبو فرات حقيقة ما يجري، وشاهد بأم عينه كيفية تعامل قوات الأمن بالرصاص الحي مع المتظاهرين السلميين، ولم تنطلِ عليه أكاذيب إعلام النظام بوصف المتظاهرين بالمندسين تارة والإرهابيين تارة أخرى، وكان يكظم غيظه حيال مايجري لشعبه، لكن الأمر تجاوز مداه بالنسبة له خاصة عندما نشر النظام أفراد الجيش السوري بمدرعاته في المدن والبلدات الثائرة.
*حبل الغسيل
كانت صدمة النظام صاعقة عند اندلاع المظاهرات المناوئة له في اللاذقية، المدينة التي يعتبرها النظام حضنه الآمن وحصنه الأخير، وإذ بها من أول المدن التي تثور ضده، فصدرت من قادة النظام أوامر مشددة وفورية لأبي فرات بصفته قائدا لكتيبة الدبابات بالتوجه بدباباته إلى بلدة "الحفة" الواقعة في ريف اللاذقية لقصف مواقع "الإرهابيين" فيها حسب ما جاء في الأوامر، وعلى مشارف تلك البلدة- التي يعرف أهلها وتربطه بهم علاقات صداقة وتعارف- جال َ بمنظاره الحربي على منازلها، فلم يرَ مظاهر مسلحة ولا إرهابيين كما قيل له، بل رأى على سطح أحد المنازل امرأة تنشر الثياب على حبال الغسيل، وبرجاً يطير منه الحمام ويعود، توقف بمنظاره برهة عند هذا المشهد، وسرى حينها لمسمعه صوت أذان يدعو لصلاة الظهر من مسجد ليس ببعيد، فأنزل منظاره، وأعطى أوامره لجنوده بعدم إطلاق أية قذيفة، ثم تواصل مع أهالي "الحفة" الذين ردوا له الجميل بمثله وأمنوا له عملية انشقاقه عن جيش الأسد في 18/7/2012 ومن ثم تأمين وصوله إلى بلدته جرابلس لينضم لاحقا ً إلى ثوار حلب، ويصبح أحد أهم القادة العسكريين في "لواء التوحيد".
*ثائر الخنادق
ولأن المواقف المبدئية لا تتجزأ، لم يرض أبو فرات بلقب نصف ثائر، فكان الاكتفاء بمجرد الانشقاق عن جيش الأسد الذي يقتل الشعب يعني بالنسبة كمن يقطع ذنب الأفعى ويرسلها، فيما "تقضي الشهامة أن يتبع رأسها الذنبا"،
ولذلك لم ينشق أبو فرات ويخلد للراحة مثلما فعل بعض المنشقين والمعارضين الذين اكتفوا بإطلاق التصريحات النارية الفارغة من الفنادق الفخمة خارج الوطن، بل صمد في الداخل السوري، وانبرى يضع الخطط العسكرية ويقود الثوار ويقاتل معهم جنبا إلى جنب على الجبهات، ويتناول الطعام معهم ويتعفّر وجهه بالغبار والعرق، ويقرن القول بالعمل فكان بذلك نموذجا لثوار الخنادق.
شارك أبو الفرات في معارك تحرير ريف حلب وحيي (سيف الدولة وصلاح الدين) أهم وأكبر أحياء حلب، لكن أهم إنجازاته العسكرية، كان تحرير مدرسة المشاة التي تعتبر من أهم وأضخم القواعد العسكرية للنظام، وخزان ذخيرة وفير للثوار، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي الخطير الذي كان يوفر لمدافعها إمكانية قصف بلدات الريف الحلبي الشمالي وتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها وإزهاق أرواح المئات من المدنيين العزل، حيث تمكن أبو فرات مع الثوار من تحرير مدرسة المشاة بعد عدة ساعات وتم النصر للثوار. إلا أن القدر لم يمهل أبا فرات الذي كان مؤمناً أن المعركة الكبرى مع النظام ستكون في دمشق - فقضى مع اثنين من الثوار بتاريخ 15/12/2012 بقذيفة أطلقت من أحد مواقع النظام القريبة أثناء تطهيرهم بعض الجيوب الملحقة بمدرسة المشاة.
*مقاتل لا قاتل
كان الشهيد أبو فرات مقاتلاً يتسم بقيم النبل والإنسانية والوطنية، فلم يكن مبتغاه قتل جنود الجيش السوري، إنما الدفاع عن الشعب الأعزل، وقد اشتهر بدعواته جنود الأسد للانشقاق، والانضمام لصفوف الشعب المطالب بحريته، فلم يبدأ معركة قبل التوجه لهم بالنداء عبر مكبرات الصوت يخاطب فيهم الجانب الأخلاقي والعقلاني وروابط العيش والوطن المشترك.
ها هو يعبر أمام عدسات الكاميرا إثر تحريره مدرسة المشاة عن مشاعر الانتصار المغمسة بالمرارة والحسرة لأن من يموتون من الطرفين هم أبناء سورية ولأن العتاد المدمر إنما يفترض أن يكون لحماية الوطن: (والله أنا مزعوج، لأن هذه الدبابات هي دباباتنا، والعناصر أخوتنا، والله كل ما أشوف إنسان مقتول منهم أزعل وأتألم).
رحل أبو فرات، وترك استشهاده حزناً عميقاً في الأوساط الشعبية في عموم سوريا ليجعله السوريون الأحرار أحد أهم رموز الثورة السورية.
رحل أبو فرات، وبقيت كلماته التي وجهها لمؤيدي النظام يتردد صداها في ضمير كل حر، كلمات توجز المشهد ببساطة ووعي وعمق (نحن لسنا أعداءكم، نحن إخوتكم، كلنا شركاء في هذا الوطن، نحن شعب واحد.
أبو فرات: نهر يصبّ في قلوب السوريين

سليمان النحيلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية