لم تعد "قصة" الإعلامية، ميساء آقبيق، مسألة شخصية، منطلقها ومنتهاها، نشر رأي أو وجهة نظر، وإن حول قضية مجتمعية شائكة، على اعتبار أن الثورة السورية هدفت فيما هدفت، لاستعادة حريات الشعب، وبمقدمتها حرية التعبير عن الرأي، لأن ما نشرته آقبيق، أخذ أبعاداً تنظيمية انعكست على عملها في "رابطة الصحفيين السوريين" واجتماعية بعد شعور كثيرين من أبناء القرى والأرياف، بالاستهداف والتجريح جراء ما اعتبروه تعاطيا فوقيا لأبناء المدن، نظراً لاتهامية رآها هؤلاء صريحة، ولم تتنكر الكاتبة لها أصلاً، بدليل سحب المنشور وتقديم توضيح واعتذار علانيين.
وأيضاً، وهو الأهم، أعاد المنشور سوريين إلى دوائر الخلافات وتبادل الاتهامات، ما نعتقده يضر بالقضية الأساس فيذهب الطاقات ويكرّس التفرقة ويشتت الأنظار عن وجع السوريين ووحشية عصابة احتلال دمشق.
سنأتي أولاً على إعادة نشر ما كتبته آقبيق على صفحتها على "فيسبوك" قبل أيام، لأنها سحبته علّ من لم يقرأه يراه ويحاكم وفق المنشور وليس وفق التأجيج أو ما سمع، فقالت:
"دعونا نواجه الواقع من دون مواربة، إذا كانت ثورة حزب البعث خربت التركيبة الاجتماعية بين أبناء سوريا وأوصلت غير أكفاء إلى مراكز قيادة، فقط لأنهم كما سموهم عمال وفلاحين وكادحين، فإن تبعات ثورة 2011 التي كان ينقصها قائد حكيم محنك يديرها خلف الكواليس، تبعات فتحت المجال لأبناء بعض من القرى لم يعيشوا أدنى معايير المدنية، كي يغتنموا أو يحتلوا مراكز مهمة في جميع مؤسسات الثورة العسكرية والمدنية.
هؤلاء الذين ليس لديهم ما يخسروه ويستطيعون العيش في جميع الظروف ومع أي معطيات، أنهوا تماما جميع المكونات المجتمعية السورية من المتعلمين والعارفين والكفؤين وأبناء العائلات الشبعانة وهاهو المجتمع السورية يسقط بالضربة القاضية.. وسامحونا".
ربما الإساءة، سواء بقصد أو من دونه، واضحة من خلال مانشرته الإعلامية السورية، فهي عممت بطرحها رغم أن التعميم قتّال ولا يصح ضمن الأسرة الواحدة، فماذا لو كان على ريفيين واتهامهم، أو من تبوأ مواقع بالثورة منهم، بمتابعة ما جاء به البعث، من تخريب التركيبة المجتمعية وتصدير غير كفؤين إلى مواقع قيادية.
وزاد، أو هكذا بدا، تطرق الكاتبة لإقصاء المتعلمين المدنيين من أبناء القرى الذين لم يعيشوا أدنى معايير المدنية، زاد من التوتر والشعور بالإساءة، لتأتي عبارة العائلات الشبعانة، فتزيد من حنق كثيرين، ليردوا بطرائق وصلت للشخصنة والإساءة، رغم محاولات "آقبيق" المتكررة للانسحاب، خاصة من "شبعانة" وتقديم تفسيرات افتقرت للمنطق والإقناع.
بيد أن اعتذار ميساء وتوضيحاتها، من المفترض أن تكون شفيعاً، حتى لدى من شعر بالاستهداف، على اعتبار أن لدى أولاد القرى مبدأ "دية الكريم الاعتذار" بصرف النظر عن شجاعة آقبيق وما يمكن أن يقال عن حاجتنا لتفشي ثقافة الاعتذار، بواقع سنوات من الخلط والاختلاط للحد الذي أوصل كل من بلا ذنب أن يرمينا بحجر.
وهنا، لا يمكننا المحاسبة على النوايا وما قيل من عنجهية آقبيق وتفاخرها بالمدنية، كما لن نتطرق لما رشح، عن خلافات خلال انتخابات رابطة الصحافيين، وكانت أسباباً، أو بعضها، بالذي قرأناه وسمعناه عن جريمة ميساء آقبيق ودعاوى القصاص منها، من دون النصح والنقاش والتنبيه، لخطورة ما كتب أو ما يمكن أن يستشف منه. رغم أننا بأمس الحاجة، هذه الآونة، للتآلف والاحتضان ولا ينقصنا مزيد إقصاء وتشرذم.
قصارى القول: إن استثنينا فكرة مؤهلات القادة ودورهم بإنجاح المعارك والثورات، وما يتخلل ذلك من أسئلة جديرة بالطرح والتفنيد والبحث، منها مباشرة وردود أفعال أهل الريف ودبلوماسية وبراغماتية أهل المدن و"تأثير الجذور الريفية أو المدينية في العمل السياسي" من دون الوقوع بأفخاخ المقارنات وميزان التفضيل والإساءة.
أعتقد أن ما أتت عليه الإعلامية السورية، على غاية من الأهمية، رغم خطئها بالتعبير والطرح.
بمعنى، يعيش السوريون منذ عقود، تبعات الكبت والتفقير والعداء، وذلك ليس بين الأرياف والمدن أو بين أبناء الريف أو المدن أنفسهم، بل بين الأغنياء والفقراء بين المتعلمين والجاهلين بين أبناء الأحياء ... ووصل الخلاف إلى داخل البيت السوري الواحد، وليس بذلك مبالغة وثمة شواهد لا تحصى.
وهذه الأمراض موجودة وإنكارها أو التنكر لها، لن ولا يمكن أن يحلها. وربما الفترة المناسبة لنبشها من تحت الرماد، بغرض التوصيف والبحث عن حلول وتفاهمات، هي اليوم، بواقع ما يقال عن فتح دفاتر أخطاء الماضي، إن خلال الثورة أو قبلها، وإلا، فترحيل هذه المشاكل، يفاقمها ويعظّم من آثار مواجهتها الحتمية بزمن على الأرجح، سيكون له أولويات البناء وبلسمة الجراح، عن النكء واستحضار الخلافات.
مع الأخذ بالاعتبار، أن فتح دفاتر الخلافات، القومية والدينية والمناطقية والاجتماعية، لا تحل عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، كما لها، أو لابد أن يكون لها أهلوها، الذين يتسمون بالدراية والخبرة والتسامح، ما يجعل عصاهم تطاول الجميع وكلمتهم لا تنزل على الأرض، كما نقول نحن أبناء الأرياف.
وإلا، أي طرح منقوص، سؤجج الخلافات ويزيد من مخاطر، حتى تقسيم سوريا، ولعل بما نراه من محاولات لبعض القومجيين ومؤثري الطوائف، أدلة باتت عامل أرق إضافي، على مستقبل سوريا الغائم أصلاً.
نهاية القول: أخطأت ميساء آقبيق والزميلة لم تنكر ذلك أصلاً، وأخطأ الساسة ويخطئون وأخطأ القادة الميدانيون ولم يزالوا، وربما الخطأ بلغ أقصاه لشعب يعاني من كل ما يفقده صوابه ويدفعه للخطأ، بواقع الخيار بين المرّ والأمرّ منه.
ولكن بواقع تفشي الأخطاء، ثمة أمرين، نراهما على درجة من الأهمية:
الأول، ضرورة تفشي ثقافة الاعتذار والعودة عن الخطأ بين السوريين. علّ بهذه الثنائية، بعض حلول لتنفث ما يملأ الصدور من أوجاع وآهات، طبعاً إلى ما قبل اقتراف الجريمة والدم وسرقة الأحلام، فلذلك بحث آخر وأولياء حقوق، لا يمكن الإنابة عنهم والصفح لمجرد الاعتذار.
وأما الأمر الثاني، فهو المحاسبة على قدر الذنب لا على حسب الحقد، فجميل أن نرى القصاص والعدالة..ولكن أم الجرائم أن نترك لغاياتنا العنان ونقيم المقاصل على حسب أحقادنا.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية