لا أعلم يقيناً، هل البدء بتوصيف السوري كـ"كردي وعربي وتركماني..."، أو حتى الغوص بمعتقده، كـ"سني وشيعي وعلوي ودرزي"..الخ، هو مفيد بمرحلة مهمة بتاريخ سوريا، فتلغي التعمية والتعميم وربما توضح الحقوق لمكونات الشعب السوري.
أم تزيد، تلك الأوصاف أزمات "الدولة" التي يتطلع إليها الجميع، فتزيد التفريقات من الفرقة وتحيا "الدويلة" بدل الدولة وتنعش أماني البعض بالانفصال، وإن على مقاس "فيدرالية" كلفظ محبب و"مودرن" يضيع في تيهه، حتى الضالعين.
ما هي المناسبة؟!
بالحقيقة، ثمة مناسبات متداخلة اليوم، تدعو لفتح ملفات، ربما فيما مضى، كان الخوض فيها محرماً، قد، ما يقال عن بداية نهاية نظام الأسد وبدء التحضير الدولي لـ"البديل"، وما سيتفرع عن اقتلاع حكم ممتد لعقود، من خلافات ونزوات، أهمها.
وذلك بالنظر لما يمكن أن ينشأ من فراغ وتفريغ وطموحات وارتباطات، يزيد من تعقيداتها، وجود محتلين على الأرض السورية، لهم أطماع وليس من البساطة جلاؤهم، بحملة "ارحل" أو حتى بقرار أممي.
كما من سبب مباشر أو آني، وهو "الحوار الكردي الكردي" يجعل من فتح ملف مكونات سوريا بين الطموح والمشروعية، ضرورة ملحة وعاجلة، قبل أن يتفاجأ الشعب السوري، باتفاق نهائي مذيل بتوقيع فرنسي أمريكي، يزيد من تشابك الواقع وتعقيدات المستقبل.
ربما، بات معروفاً ما توصل إليها "المتحاورون" أو العقد التي أعاقت منشار القص، فتم الإرجاء أو التأجيل، ليتم تمرير الاتفاق، أو استخدامه كـ"ورقة" بوجه التطلع الروسي، رغم أن موسكو لم تجلس مكتوفة الأيدي، بل رعت هي الأخرى، حواراً كردياً كردياً، لترد بضربة استباقية، لتضمن توافقاً أو عدم إعاقة، لمشروع يختلف عن الترتيب الغربي الأمريكي ولا يقترب كثيراً من التطلعات التركية.
فبعد ثلاثة أشهر من مفاوضات المصالحة السرية، بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي، طفت، كما كل مرة خلافات تتعلق بتبعية وانتماء كلا المتفاوضين، فهذا يقول إن "الاتحاد الديمقراطي" يتبع لـ"قنديل" وذاك يقول إن "المجلس الوطني" ترعاه تركيا، ليكون فك الارتباط، العصا التي أعاقت سير عجلات التوصل للحل.
وذلك رغم التقارب النظري، بين السادة المحاورين، على أن سوريا دولة ذات سيادة يكون نظام حكمها اتحاديا فيدراليا يضمن حقوق جميع المكونات واعتبار الكرد قومية ذات وحدة جغرافية سياسية متكاملة في حل قضيتهم القومية.
أو حتى، رغم التوافق الذي قد يراه سوريون، فخاً، كمثل الإقرار الدستوري بالحقوق القومية المشروعة للكرد وفق العهود والمواثيق الدولية، وتشكيل مرجعية كردية تمثل جميع الأحزاب والتيارات السياسية وممثلي المجتمع الكردي بسوريا.
وقلنا "فخاً" لاعتبارات أكثر من أن تحصر على عجالة، يكفي الإشارة منها إلى " حقوق الكرد بالمواثيق الدولية" وكأن الأكراد طارئون على جغرافيا وتاريخ، أو ما عداهم يأكل حقوقهم ويريدون الإنصاف وفق العهود والمعاهدات، كأي دولتين متجاورتين تختلفان على حدود أو اقتسام ثروات.
مرتكزات وفي الإعادة إفادة، الأكراد أمة عريقة وضاربة بعمق التاريخ، حتى قبل الإسلام وربما المسيحية، ومن حقهم العيش بوطن والتعاطي معهم كمواطنين غير منقوصي الحقوق، إذ من عظيم الخلل، أن تطالب شعوب المنطقة بالحرية والديمقراطية، وتتنكر بالآن ذاته لحقوق الأكراد، الذين تشهّوا حتى على أبسط حقوق الإنسان، وعاشوا لفترة طويلة "بدون" وخاصة في سوريا الأسد الأب.
ما جعل من هذه القضية، جمرا تحت الرماد، يتم تقليبها كلما حانت الفرصة وسنحت الظروف ..أو شاء من يهمه الأمر، سواء من الأكراد أو ممن في مصلحتهم تأجيج النزاع ضمن البلد الواحد، أو خارج الحدود.
بيد أنه، من المعالجة الخاطئة لقضية الأكراد ربما، أن يتم الدوران في دوامة أصولهم وأين كانوا قبل الحدود الحالية لدول المنطقة أو من شتت حلمهم القومي بدولة واحدة مستقلة، وخاصة بعد الدولة العثمانية والاحتلال الأوروبي للدول العربية، أو حتى تسليط الضوء على تعاظم "المشكلة"، إثر معاهدة "لوزان" التي أوجدت الجمهورية التركية عام 1923، وما يقال عن بناء "الجمهورية الأتاتوركية" على أنقاض الكيانات القومية بالدولة العثمانية، إن الكردية أو الأرمنية أو حتى السورية، بعد تحطيم معاهدة سيفر عام 1920.
لأن في ذلك، على نحو ما أحسب، خلطا وتأجيجا، أكثر منه تلمّس ملامح حل، إذ بالبحث في أصول شعوب المنطقة، تمييع لحقوق الإنسان فيها وجدلية من الاستحالة البت فيها أو تسويتها، بعد المزج والخلط، القومي والديني والمذهبي، الذي غدا قدر المنطقة برمتها.
ومع التأكيد على حقوق الأكراد بالعيش والمتمتع بكامل حقوق المواطنة بالدول الأربع التي تواجدوا فيها بعد الحرب العالمية الأولى "إيران، تركيا، سوريا والعراق" ربما أول الأسئلة التي تقفز على ذهن أي متابع.
لماذا يتم الضغط الكردي، أو بعض الأصوات منه، على الاستقلال أو الفيدرالية كلفظ ملطّف، في سوريا اليوم كما في العراق أمس، ويتم المناوشة لتحصيل الحقوق بتركيا، مع صمت وتأجيل في إيران، والتي تحوي من الأكراد ربما، ما تحويه الدول الثلاث.
وأيضاً، ما هو السر في تعالي تلك الأصوات بالتزامن مع الحروب الداخلية التي نشأت جراء قمع الديكتاتوريين والتدخل الخارجي، ما يزيد التشكيك بارتباط بعض الأكراد بالمشروع الخارجي، الذي ما عاد خفياً بعد التحالفات من بعضهم، مع أسد سوريا أولاً والدول الخارجية ثانياً، بمن فيها إسرائيل والولايات المتحدة.
وربما الأهم بالأمر، أن بعض الأصوات الكردية النشاز التي لا تمثل إلا نفسها، تتحيّن الفرصة، لتبث مزيداً من الفرقة والخلاف، خلال ظروف خانقة لكل السوريين، لتطالب بإعادة دوران عجلة التاريخ ورسم الجغرافيا، وفق تصورات أقرب للوهم والنكوصية، منها للمنطق الذي فرضته الظروف والتاريخ والخارج، من خلط هويات ومزج حضارات، قد لا يكون عفوياً.
نهاية القول: من الجحود التنكر لدور الأكراد عبر التاريخ، إن بالفتح الإسلامي وصولاً للقيام على الظلم والديكتاتورية في العراق وسوريا، بل وسبقهم سواهم من السوريين، عبر حركات تمرد أقرب للثورات، قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011 والتي كان للأكراد فيها السبق وربما الصدارة ببعض الشخصيات، بيد أن المحيّر بالأمر، أن تلك الأصوات الكردية التي تعيب على "حكام البعث" شوفينيتهم واعتمادهم "القومجية" كأساس لبناء الدولة، يطالبون بإقامة دولة على أساس قومي، وبزمان لم يعد للقوميات مكان بدولة القانون والمواطنة وعبر العالم بأسره.
وأما إن كان في طرح "الدولة الوطنية" من منظور البعض على الأقل، وصاية ومصادرة لحقوق القوميات والقومجيين، فذلك ومن منطلق ديمقراطي أبسط حقوقهم، ولكن ليس عبر التآمر وخراب البلد لينفردوا بخزان سوريا الغذائي والنفطي والمائي، ويتنكروا لحقوق القبائل والعرب أصحاب المكان، بعد أن اعتمدوا عبر عصابات "الأرض لمن يحررها" لأن في كل ذلك عملاً بما ينهون عنه وأكثر.
إذاً، وإذاً قد تجب ما قبلها، حسن النوايا بالسياسة حماقة كما العاطفة وربما أكثر، ولا يمكن لأي سوري، كردي كان أم عربي، أن يقبل بفيدرالية على أساس "قومي أو ديني" ولو يتزييف المنطقة عبر ديمقراطية البندقية وسطوة الأمر الواقع وادعاءات مبنية على وهم التاريخ وحديث الجدات. كما، بالآن نفسه، لا يقبل أي سوري، كرديا كان أم عربيا، بانتقاص حقوق أي مكوّن.
ما يعني، الصناديق هي الحل الأمثل وللجميع، وليس المحتلين ورعايتهم لفئة لأغراض مرحلية، سواء لشكل الدولة أو طريقة حكمها، فحينما يتاح للسوريين التصويت ويتخلصون، عرباً وكرداً من الحكم الديكتاتوري، فحين ذاك، يقررون بجميع مكوناتهم شكل الحكم والدولة، ومدى نجاعة الدولة اللامركزية، عبر تقسيمات جغرافية أو عرقية، فيدرالية كانت أو دويلات...
وأما استعراض المظلومية بغير زمانها وعلى غير مسببيها، أو الاستشهاد ببعض الفيدراليات بالعالم، هي ذرائع تغريرية وساذجة، لا يمكن أن تدوم إن مرت بقوة البندقية والمحتل، كما لن تعفي محاسبة المجرمين عن سرقة حقوق الشعب وقتل وتهجير السوريين.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية