أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

التغطية النقدية وغربة علم الاقتصاد في سوريا

ليس هناك رقابة من جهة دولية تحدد كميات النقود التي تصدرها الدولة المعنية

مع الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا، توقفت نسبة كبيرة من الأنشطة الاقتصادية، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي لحوالي ربع قيمته قبل الحرب، صاحب ذلك بشكل طبيعي تراجع الموارد المالية الحقيقية، من ضرائب وايرادات بترول وثروات أخرى، اللازمة لتمويل نفقات الحكومة المتزايدة.

لذلك توسعت الحكومة السورية في اللجوء إلى الاقتراض من البنك المركزي وطبع فئات جديدة من الليرة السورية، فئة 2000 ليرة على سبيل المثال، وهذا ما يسمى سياسة التمويل بالعجز والإصدار النقدي الجديد.

إن آلية اقتراض الحكومة من البنك المركزي تتم من خلال تسليم الحكومة للبنك المركزي سندات دين بالمقدار المطلوب ويقوم البنك المركزي بطبع (أو تسلم من المخزون) كميات جديدة من العملة للحكومة.

وتقوم الحكومة بدورها  بضخ تلك الكميات من النقود في السوق من خلال دفع نفقاتها من رواتب الموظفين ومشتريات سلع وخدمات وغير ذلك. وانعكس ذلك بشكل طبيعي في تدهور قيمة العملة والتضخم.

في مواجهة ذلك ارتفعت الكثير من الأصوات، ومن بينهم متخصصون في علم الاقتصاد، متهمة النظام بإصدار عملة دون تغطية. هل هذه التهمة صحيحة بالمعنى الاقتصادي النقدي البحت؟ نحاول في هذه المادة الإجابة على هذا السؤال وتوضيح خطأ شائع في الثقافة العامة والتخصيصية حول العلاقة بين الاصدار النقدي الجديد والتغطية.

ينسب إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو فكرة أن شرط تبادل شيئين (أو سلعتين) هو قابليتهما للمقارنة. أي أنه من أجل تبادل سلعتين لا بد من وجود جوهر مشترك بينهما.

وهنا تأتي فكرة القيمة التي تعتمد على المنفعة والندرة، باعتبارها هي الجوهر المشترك بين السلعتين. وهذا هو أساس فكرة النقود التي اخترعت من أجل تسهيل المقارنة، أي قياس القيمة، ومن ثم التبادل.

قبل اكتشاف النقود، أي في ظروف المقايضة المباشرة، كان تبادل أي سلعتين يواجه بصعوبات ضخمة فيما يتعلق بإمكانية المقارنة بينهما وتوفر الرغبة لدى كل طرف في مبادلة سلعته بسلعة الطرف المقابل، وهو ما سمي في أدبيات النقود بمشكلة التلاقي المزدوج للرغبات.

لذلك دفع التطور التاريخي نحو البحث عن، ومن ثم اكتشاف سلعة ثالثة يمكن مقارنتها ومبادلتها بسهولة بأي من السلعتين عند اللزوم، أي أن أياً من الطرفين يمكن أن يقبلها مقابل سلعته، وهي خاصية سميت بقابلية التسويق أو حتى السيولة لاحقا.

وهذه السلعة الثالثة لعبت دور النقود، حيث تحول التبادل المباشر في المقايضة إلى تبادل غير مباشر من خلال السلعة (النقود) أو النقود السلعية.

لكي تقوم أداة ما (أو سلعة) بوظيفة النقود كان يجب أن تمتلك بحد ذاتها قابلية المقارنة التي أشار إليها أرسطو، أي أن تكون لها قيمة بحد ذاتها. لذلك كانت النقود الأولى نقودا سلعية تمتلك قيمة بحد ذاتها، أي خاصية المنفعة والندرة. استخدمت المواشي والحديد والفضة والذهب والقواقع وأدوات الزينة....كنقود سلعية، لكن في النهاية خرجت كل الأدوات من التداول واستمر الذهب والفضة بسبب خصوصياتهما المادية، وفي النهاية حل الذهب محل الفضة بشكل شبه كامل.

كانت البداية مع أشكال فظة من السلع طورت مع الذهب والفضة إلى أشكال أكثر سهولة في التداول من حيث الحمل والقياس والتجزئة...الخ.

توج ذلك بظهور دور السك، ومن ثم العملة المسكوكة من الذهب والفضة، ذات المواصفات والمقاييس المتعارف عليها على نطاق واسع.
مع التطور التاريخي ومتطلبات الحياة العملية ظهر البنكنوت، الذي هو ورقة نقدية قابلة للاسترداد بمقدار معين من الذهب أو الفضة، وحل محل التداول المباشر لمسكوكات الذهب والفضة بسبب المزايا العملية في سهولة تداوله وحمله.

وكان البنكنوت يستمد قيمته من قيمة الذهب والفضة التي يمكن تحويله لها. وهنا تأتي فكرة التغطية، باعتبار أن ورقة البنكنوت في جوهرها لا تمتلك أي قيمة فإنها يجب أن تكون قابلة للتحويل عند اللزوم إلى سلعة نقدية معتمدة، ذهب أو فضة، بمعدل تحويل معلن.

لذلك كان يطلب من مصدري البنكنوت أن يحتفظوا بكميات كافية من احتياطيات الذهب والفضة لكي يتم التحويل لها عند الطلب.

ووجود تلك الاحتياطيات وقابلية التحويل لها هو ضمان قيمة البنكنوت وقبوله على النطاق العام كنقد.

في هذا السياق انتقل احتكار إصدار أوراق البنكنوت إلى الدولة بالتدريج، وأصبحت كل دولة تصدر عملتها مقابل تغطية ما، وتخلل ذلك فترات من الإيقاف المؤقت لقابلية التحويل في ظروف الحروب والأزمات.

لكن التغطية أيضا تطورت من الشكل المباشر إلى الشكل غير المباشر. من التغطية بالذهب والفضة إلى التغطية بعملة قابلة للتحويل إلى الذهب والفضة. بحيث إنه في أواسط القرن العشرين انتشرت التغطية غير المباشرة والتغطية المختلطة، المباشرة وغير المباشرة.

حيث أصبحت الدول تغطي نقودها بخليط من المعادن الثمينة والعملات القابلة للتحويل إلى المعادن الثمينة، أي الدولار أساسا.

في عام 1971 كان الدولار هو العملة الوحيد المحافظة على قابلية تحويلها للذهب، بينما تحافظ بقية العملات على قابلية تحويل للدولار.

في ذلك العام قرر الرئيس نيكسون، لأسباب لا مجال لذكرها هنا، إيقاف قابلية تحويل الدولار للذهب وقطع آخر صلة بين قيمة النقود وقيمة التغطية من المعادن الثمينة، وأصبح ما يحدد قيمة النقود هو عرضها (كمية ما يطبع من العملة من قبل الدولة المعنية) والطلب عليها (الذي يتحدد أساسا بحجم النشاط الاقتصادي للبلد ومؤشره الأساسي الناتج المحلي الإجمالي)، أي أن قيمة النقود أصبحت تتحدد بمجمل الظروف الاقتصادية والسياسية للدولة المصدرة.

وهكذا أصبح التعويم (العرض والطلب) هو أساس تحديد قيمة العملة، لكن الدول اختارت نظم صرف متعدد لتحديد قيمة العملة تتراوح ما بين التعويم الصافي وتثبيت سعر العملة المحلية بعملة دولة أجنبية أو سلة من تلك العملات.

على هذا الأساس فإن اكتساب النقود الورقية لصفة العملة، كقاعدة عامة، في الوقت الحالي تتعلق بالحق السيادي للدولة في إعلان صيغة ورقية ما على أنها المبرئ القانوني للذمم المالية واستخدامها في تحصيل الضرائب ودفع النفقات. وقيمة تلك النقود تتعلق بالحالة الاقتصادية السياسية للدولة والكمية المطبوعة منها.

على هذا الأساس ليس هناك رقابة من جهة دولية أو بنود ملزمة في القانون الدولي تحدد كميات النقود التي تصدرها الدولة المعنية.

هل انتهي دور التغطية، أو احتياطيات البنك المركزي بشكل أوسع، بالتأكيد لا فوجودها يعطي المزيد من المصداقية لقيمة العملة وقوتها القائمة أساسا على القوة والاستقرار الاقتصادي والسياسي. بحيث إنه عند حدوث التقلبات الآنية في قيمة العملة يمكن استخدام جزء من الاحتياطيات في تهدئة تلك التقلبات. فعندما يكون هناك هبوط في قيمة العملة بسبب نقص في الطلب على العملة أو زيادة في عرضها لأسباب آنية يمكن استخدام الاحتياطي من العملات الأجنبية أو المعادن الثمينة لخلق طلب آني على العملة ريثما يتغير الوضع.

إذاً لماذا يستمر التأكيد في ثقافتنا العامة، والتخصصية أيضا، على الحديث عن التغطية وعدم التغطية في إصدار العملة السورية؟ كما رأينا فإن الأمر عائد إلى الجوهر الأساسي للنقود الممتد إلى آلاف السنين والمتمثل في وجود قيمة خاصة لها بشكل مباشر في النقود السلعة أو تمثيلها مباشرة لقيمة محددة من خلال التغطية في البنكنوت، ترك هذا التاريخ إرثا عميقا في الثقافة الإنسانية، حيث إن خمسين سنة من اكتساب النقود للصفة الورقية القانونية الصرفة وانفصالها عن التغطية تعتبر برهة زمنية لم تستطع  بعد أن تحل تماما محل الصورة القديمة للنقود.

السبب الثاني هو أنه في سياق دول استبدادية شمولية مثل الحالة السورية، يتم تسمية الأنشطة المعاشية بالاقتصاد تجاوزا على الواقع، إذ إن قوانين علم الاقتصاد في صورها النموذجية لا تنطبق على الواقع في الغالب وهذا ما يجعل من الصعب تحويل المعارف الاقتصادية النظرية المتخصصة إلى ثقافة عامة. لذلك يعيش علم الاقتصاد مشكلة حقيقة في انفصاله عن الواقع وعجز المتخصصين فيه عن استخدام معارفهم لتوصيف وتحليل الواقع المعاش.

د.مسلم طالاس - مشاركة لزمان الوصل
(357)    هل أعجبتك المقالة (311)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي