أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

السّاروت: ثنائية الأغنية والبندقيّة

غنى للثورة السورية أجمل الأغاني - أرشيف

ليس بجسده موضع شبر إلا وفيه رمية رصاصة أو نثار شظية، وليس في ربع من ربوع وطنه إلا وله فيه أغنية.

عندما يُذكر اسمه، ترتسم في الذهن صورة ذاك العشريني الأسمر بقامته الرياضية الممشوقة وشعره المتدلي على كتفيه ولحيته الغضة وصوته المتماوج بأطياف الشجن.

حارس ُ مرمى "الكرامة" الفريق الرياضي العريق، وحارس منتخب سوريا للشباب لكرة القدم، الذي وصفه مدربوه بأنه كان بمفرده يشكل بمفرده نصف فريق في الملعب.

ابن حمص، دفعته نخوته وجرأته وحسه الوطني لاعتلاء الأكتاف والتظاهر مسفراً عن وجهه مناصرة لأهل درعا منذ بداية الثورة السورية ربيع 2011 في الوقت الذي كان المتظاهرون فيه لايخرجون إلا ملثمين، وكان التظاهر بعرف النظام السوري جرماً تجري محاكمة مرتكبه بصورة ميدانية برصاصة قناص غادر.

عرض عليه النظام ترقيته إلى فريق الرجال ومبلغ 2 مليون ليرة سورية للتراجع عن موقفه والكف عن قبادة المظاهرات، وحين رفض دفعوا المبلغ لمن يغتاله.

غنى للثورة السورية أجمل الأغاني التي كانت تعبر عن مواقفه من استبداد الطغاة، وتمثل روح الثورة وضمير الشعب، فعبرت أغانيه الحدود ورددها المتظاهرون في الحراك الشعبي في دول عربية عدة كلبنان والعراق فصارت أغانيه تراثاً ثورياً حضارياً تتناقله أجيال الثورات العربية.

استشهد إخوته الأربعة خلال الثورة، فقضى أحدهم دهساً تحت جنازير دبابة. كان يدرك أنه مشروع شهيد، ويطلب من والدته أن تدعو له بنيل الشهادة، ولذلك عزف عن الزواج، وحين سُئل ذات مرة أنه لو كان خاطباً، ماذا يقول لخطيبته فأجاب ببساطةٍ: أنا شهيد، أطلب منها حقي، أن تقرأ على روحي الفاتحة.

*من حراسة المرمى إلى حراسة الثورة
ولد عبد الباسط السّاروت عام 1992 في حي "البياضة" شمال شرق حمص ذلك الحي الشعبي الأكثر تهميشاً في المدينة، لم يأبه لحلمه الشخصي ومستقبله الكروي الواعد، وفضّل الانضمام للثورة السورية منذ اندلاعها، كان متظاهرا استثنائياً، قاد المظاهرات الشعبية الحاشدة في مدينته، وامتاز بشخصية قيادية عفوية ومحبوبة، وإحساس عالٍ بالمسؤولية لدرجة نكران الذات، وجسدت أغانيه روح الشعب التائق للحرية، فغنى بلسانه ولسان شعبه أغنية (حانن للحرية حانن) مازجاً بذلك بين حلمه الخاص وحلم شعبه، فالتفت حوله الجماهير من شرائح فكرية واجتماعية وطائفية وعمرية مختلفة.

اتهم إعلام النظام الأسدي الثورةَ بأنها طائفية فتعانق صوته مع صوت الممثلة والشاعرة السورية الحرة "فدوى سليمان" -ابنة الطائفة العلوية- في مظاهرات حاشدة هزت مدينة حمص وأحرجت النظام الذي اتهمه بالسعي لتأسيس إمارة سلفية في حمص فرثى المخرج السينمائي المسيحي "باسل شحادة" بأغنية عذبة حين استشهد بقصف مدفعية النظام على أحياء حمص.

لكل ذلك انتخب رمزاً للثورة السورية بقرار شعبي ، واستحق لقب حارس الثورة.

*معركة الطحين والخروج من حمص
حين ازداد بطش النظام، كسر الساروت قاعدة كل يناضل من موقعه، فأسس "كتيبة شهداء البياضة" لحماية المتظاهرين في المرحلة السلمية، والتي مالبثت أن تحولت إلى كتيبة مقاتلة حين تحول الثورة إلى الكفاح المسلح، فزاوج َ بذلك بين الأغنية والبندقية في نضاله.

أبى الساروت الخروج من حمص مفضلا الثبات، فأحكم النظام الحصار عليه وعلى أكثر من 3000 مدني في أحيائها القديمة، وبعد حصار دام 18 شهرا حين فتك الجوع بالمحاصرين في شتاء 2014، أخذ الساروت وكتيبته على عاتقهم حفر خندق بين حي "الخالدية" المحاصر وبين شركة المطاحن لإدخال الطحين وإنقاذ الآلاف، لكن لسوء الحظ اكتشفت قوات النظام ذلك، فدمروا مخرج الخندق وسقط 62 شهيداً من كتيبة بينهم اثنان من أشقائه، يومها بكى عبد الباسط قائلا: "عذراً يا رجولتي، لا أستطيع منع نفسي من البكاء).

لقد كانت معركة" الطحين" وإتقان النظام لعبة الأمعاء الخاوية مع اشتداد الحصار مقدمة ً لعقد اتفاقية مع النظام والخروج من حمص إلى ريفها الشمالي في أيار مايو عام 2014.

*الساروت سجيناً
لم تتوقف حملات تشويه هذا الرمز من قبل النظام وغيره، فاتهم بمبايعته تنظيم "الدولة"، وعلى الرغم من إنكاره ذلك أكثر من مرة وقوله:(إنه لم يبايع أي فصيل أو تنظيم أو تيار، وإنما بايع الثورة السورية وشهداءها وأطفالها)، فإنه لدى وصوله إلى إدلب قامت "جبهة النصرة" باعتقاله مدة شهر، بعد خروجه من السجن دخل تركيا عام 2016، لكن حسه الثوري ووفاءه للثورة أعاداه، فرجع إلى إدلب التي أمست صورة مصغرة عن سوريا بعد وصول المُهجّرين إليها من كل المدن، وأعاد للمظاهرات هناك زخمها الشعبي وسيرتها الأولى، وانخرط في الكفاح المسلح وأصبح من أهم القادة العسكريين في "جيش العزة".

*الساروت يزفّ نفسه
كان لا بد من الغياب، لا بد من الدمع كي تكتمل فصول حكاية هذا الرمز لأن الرموز لا يعيشون طويلاً بيننا، إنهم يكملون حياتهم في دواخلنا، ولأن وجه الحكاية شاحبٌ دون بكاء، نال الساروت ما تمناه فاستشهد في 8 حزيران عام 2019 متأثراً بإصابته قبل يومين في إحدى معارك ريف حماه بعد أن تم نقله إلى تركيا للعلاج، ثم أُعيد جثمانه إلى إدلب ملفوفاً بعلم الثورة ودفن في بلدة "الدانا"، وكان محاطاً بآلاف المشيعين الذين كانوا يرددون أغنيته التي غناها يوما لأمه: "يا يمّه بثوب جديد زفيني جيتك شهيد".

*الساروت رمزا
أنتجت الثورة السورية الكثير من الرموز الذين يستحقون كل التقدير لموقف نضالي محدد، لكن الساروت اكتسب رمزية مطلقة لأنه مثّل بأغانيه ومواقفه وأخلاقه ضمير شعب ومسيرة ثورة بكل آلامها وآمالها في مراحلها كافة، فلم يزاود بثوريته على أحد، وآمن بأن الثورة هي ثورة كل الشعب السوري بكافة أطيافه وليست ثورة فصائل، كان مؤمنا بأن البندقية ينبغي أن توجه ضد النظام، ولذلك لم تحقق الثورة إجماعاً على شخصية ثورية مثلما أجمعت على الساروت، ولا أدلّ على هذا سوى حالة الحزن العميم الذي اجتاح معارضي النظام على اختلاف توجهاتهم، فوحد بذلك الساروت السوريين حياً وميتاً.

سليمان النحيلي - زمان الوصل
(232)    هل أعجبتك المقالة (244)

2020-06-11

الاه يرحمه ويرحم كل شهداء الثورة السورية الحرة.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي