غمرتني حالة من الرضا النفسي ، الليلة الفائتة قرأت رواية كاملة ، أحرقت علبة دخان ، شربت عدة فناجين من القهوة ، لم يفتني الفيلم الذي بثته القناة الفرنسية الخامسة ، بطلته ذكرتني بالفتاة التي أحببتها ، كانت من مدينة عنابة الجزائرية ، وجهها مشرق بعينين في مثل لون البحر :
ـ هل تتزوجينني ؟
ـ يشترط أهلي أن تعيش هنا ..
المتاريس كانت حائلاً دون تحقيق الحلم ، بعد عامين جاءتني رسالة بها قصاصة من صحيفة فرنسية تحمل صورة زفاف زهرة علي شاب رحلت معه إلي مارسيليا ..
* * *
هذا الصباح حملت سنارتي و" عدة" الصيد والطعم اللازم ، الشمس لم تخرج بعد من مكمنها ، ثمة برودة في الصباح رغم فصل الصيف ، المدينة في سبيلها للاستيقاظ بعد ساعات من وسن لم يدم طويلاً ، تثاؤبة ما اعترتني أزحت بها كسلاً بغيضاً ، بحثت عن سيارة أجرة تقلني حتي ميناء الصيد ..
الطريق خالية ، هدأة الصباح الباكر لم يعكر صفوها إلا سيارات مارقة يقودها صبية صغار سرقوا المفاتيح من أبائهم ..
شق الهدوء صوت غناء ردئ توقفت علي أثره سيارة ، منحت السائق تحية وابتسامة ارتسمت في المرآة أمامه ، ردها بشبه وجوم وجفون منتفخة ، أشعل سيجارة فألهب حماسي لأقلده ، قال بلسان ثقيل :
ـ رحلة صيد ..
ـ نعم .
ـ الغاوي ينقط بطاقيته علي رأي الصبوحة ..
نفثت دخاناً خفيفاً ومددت يدي بنقود تفحصها جيداً :
ـ صباحك أبيض ..
الصباح بالفعل أبيض ، حجر سعيد يمتد مثل سيف دُك في فم البحر ، مراكب الصيد ترحل تباعاً لتلقي شباكها بعيداً ، ثمة ضجيج من الميناء يأتي تحمله الريح الخفيفة ، الهواء مشبع بيود البحر والنوارس تمارس هوايتها في التقاط الرزق من بين الأمواج ..
مكاني الذي اعتدت الجلوس فيه للصيد هو نتوء صخري حفرته الطبيعة ، تجويف مثل حضن دافئ ..
ثمة رجل يحتله الآن ، تنحنحت كي أنبهه لوجودي ، لم يبال ، ألقيت عليه التحية لم يأبه ، أعدتها لم يرد :
ـ يبدو أنه أصم ..
قلت لنفسي وأنا أشعل سيجارة كي يصله دخانها ، تغافل ثم أطلق صيحة مدوية :
ـ الله أكبر ..
ورفع سنارته لأعلي وهو يضم سمكة كبيرة إلي صدره ثم واراها بين حاجياته ، عاد ليلقي السنارة ثانية ، سحبها فخرجت بلا صيد ، نظر لي كمن يلومني :
ـ مكاني ...
أشرت بسبابتي ، ضحك مقهقهاً في سخرية:
ـ ليغرب الصبي عن وجهي الآن ، وإلا.....
وددت لو أحمل صخرة أحطم بها رأسه المفلطحة وأنتهي منه بعد أشعلت سخريته الدم في عروقي :
ـ يبدو أن الصباح لن يكون جميلاً ..
قالها وهو يتأهب لان ينقض علي ليفتك بي بعد أن ألقي بسنارته بعيداً وشمر عن ساعدين نحيلين وهرش في شعره المجعد الكثيف ، قلت له :
ـ هذا مكاني منذ زمن بعيد ..
امسك بتلابيبي بشكل زري ، قال في سخرية ورائحة من الدخان العفنة تخرج من فمه :
ـ أرني وثيقة ملكيته ..
دفعته بقوة فكاد أن يترنح ، تدخل جندي الدرك في الوقت المناسب ، وهدده :
ـ من العيب أن تفعل ذلك مع رجل محترم ، من الآن فصاعداً عليك الحصول علي تصريح بالصيد ..
عاد ضعيفاً يتمسح في الجندي مثل حمل وديع:
ـ سافعل ، الآن أنا في حاجة لإطعام عيالي ..
نبهه الشرطي :
ـ يجب أن تحترم نفسك أيضاً ، هل سمعت؟
ـ ولكن ..
قاطعه :
ـ ولا كلمة ..
لم يمنحني البحر سمكة واحدة بينما انهمك الرجل في صيده الوفير ، علت الشمس زاحفة نحو السماء ..
غادر الرجل المكان بعد أن هربت الأسماك إلي قاع البحر فقد سخن سطح الماء ، كانت جموع الصيادين تغني عائدة في كورال واحد:
ـ طلعت يا محلا نورها ...
والرجل يردد معهم ثم أشار لي :
ـ هذا مكانك قد خلا الآن ..
ثم أطلق ضحكة مدوية راحت تطارد النوارس فملأت الفراغ الشاسع بين البحر والسماء ..
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية