لم يكن مستغربا أو خارجا عن المألوف الكلام الذي قاله "سامح شكري" وزير خارجية مصر لمبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا "غير بيدرسون"، عن رغبة مصر بدعم عودة سورية إلى مكانتها الطبيعية عربيا ودوليا، وهذا يتّسق مع الموقف المصري بشكل عام من النظام السوري ويسير بالتوازي مع خطى دول عربية أخرى زار مسؤولون منها دمشق، وعبّر بعضهم عن دعمهم لها. يمكن للوزير المصري أن يدّعي أن المقصود من تصريحه دعم سورية وليس النظام، لا سيما أنه أرفق كلامه بالعبارة المطاطة المعتادة حول اعتماد صيغة جنيف والقرار2254 طريقا للحلّ في سورية التي لم تعمل عليها أي جهة حتى اليوم، ولا تزال في إطار التداول الإعلامي والديبلوماسي.
ولكن لا يمكن للوزير أن يدّعي أن نظام السيسي في مصر لم يقدّم الدّعم العسكري لنظام الأسد في سورية، وقد وثّقت العشرات من وسائل الإعلام صورا لذخائر وصواريخ مصرية الصنع استخدمها النظام السوري بقصف المدنيين وقتل معارضيه، كما لا يستطيع الوزير نفي مشاركة طيارين مصريين بقصف السوريين خلال عامي 2017 و2018 وقد التقطوا لأنفسهم صور "السيلفي" خلال مهماتهم العسكرية في سماء سورية.
كما يصبّ في الخانة ذاتها سماح مصر للبواخر الإيرانية التي تنقل السلاح إلى النظام السوري بعبور قناة السويس، ولم تنف ذلك، وبرّرته بأن القناة دولية مفتوحة لجميع البواخر بغضّ الطرف عن حمولتها ووجهتها، وكأن الإنسانية قد اضمحلت حتى النهاية، مع يقين النظام المصري بأن هذا السلاح سيصل إلى الأيادي التي تقتل الأبرياء في سورية.
ليس جديدا تصريح وزير خارجية مصر حول دعم النظام السوري، وكان قد صرّح قبل عام تماما، في 20 أبريل من العام الماضي بأن مصر ستساعد سورية بالعودة إلى مكانها الطبيعي في الجامعة العربية، وشعر حينها بأنه يغرّد خارج السرب العربي "أو هكذا ظاهرا"، فاضطر لتبرير تصريحه بادّعاء اجتزائه وتغيير مضمونه.
التصريح الأخير يظهر مكنون السياسة المصرية تجاه الحالة السورية، إنها تحاول أن تجد لها مكانا في الحلّ مع تصاعد المؤشرات على اتفاق دولي لإنهاء الأزمة في سورية، تريد أن تتبنّى جهة ما تقف إلى جانبها، وبما أنها بعيدة عن المعارضة ممثلة بالائتلاف الوطني وهيئة التفاوض اللتين ترتبطان بتركيا وتحظيان بدعم منها، وينظر النظام المصري بعين العداوة لتركيا، لذلك اختار أن يكون في جهة نظام الأسد، وهو شديد الشبه به لانتهاجهما نموذج الحكم العسكري القمعي.
ثمة أمور أخرى شجّعت النظام المصري، وربما دفعته لحثّ الخطى في هذا الاتجاه، فقد سبقته الإمارات العربية المتحدة وافتتحت سفارتها في دمشق، وأعلن ولي عهدها محمد بن زايد عن الإفراج عن مبلغ ثلاثة مليارات دولار لصالح النظام السوري تحت يافطة مواجهة وباء كورونا، كما بادر اللواء خليفة حفتر بنفس الخطوة وافتتح سفارة ليبيا هناك، ولم تنقطع علاقات دول أخرى مع النظام وإن استترت بغطاء الطاولة كما تفعل الأردن والجزائر أو عبر طهران كما الحال مع سلطنة عمان.
اختار نظام السيسي دعم نظام الأسد، هكذا قرر أن يكون موجودا في القضية السورية، متناسيا مئات آلاف الأرواح من المدنيين التي أزهقها، وتدمير سورية، ولم يكترث لمفاعيل قانون "سيزر" الذي سيدخل حيّز التطبيق مع بداية الشهر السادس من هذا العام، إنه ببساطة يضع مصر، الأخت الكبرى، في مواجهة مع الإنسانية، والقانون الدولي، بعد أن أكدت لجان التحقيق الدولية استخدام النظام السلاح الكيماوي في إبادة شعبه، وغالبا سيتعرض للمساءلة والمحاسبة من الشعب المصري قبل غيره.
ولكن في المقابل، هل يوحي موقف النظام المصري بأنه تلقّى معلومات أو إشارات دولية عن احتمال استمرار الأسد، أم أنه بهذا الموقف يراهن على استمرار النظام القائم كما هو، مع تبديل الرئيس، ويريد مغازلته كسلفة على الحساب، يبدو الاحتمال الثاني أكثر منطقية في ظل إشارات من روسيا تطلق عبر وسائل إعلامها، عن فساد رأس النظام وصعوبة تغيير سلوكه، وتزامن هذا مع استقباله لوزير خارجية إيران التي يسعى الجميع لإخراجها من سورية، ما يوحي بقبولها استبداله بشخص أقل فسادا، وأكثر امتثالا للأوامر الروسية، ومن خلفها أمريكا وإسرائيل.
تساؤل يلحق بما سلف، ما موقف السعودية الحليفة والداعم المالي للنظام المصري من علاقة السيسي ببشار الأسد، وهي حتى اليوم لم تعلن صراحة، ولم تقم بخطوة علنية للتقرّب من بشار، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن السياسية الخارجية لمصر قريبة من النسق السعودي.
عبد السلام حاج بكري - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية