حين كان يؤدي الخدمة الإلزامية، أعطاه الضابط دبوساً ليخزّ إصبعه به و"ينتخب" حافظ الأسد بالدم - كما تقتضي الأعراف الوطنية- رفض، فابتلعته الأرض أكثر من عام يسفُّ ظلام َ السجون وذلها، حيث لا مؤنس إلا الجرذان وحلم بالحرية يتجدد.
صداقته مع أدباء فلسطينيين أعضاء َ في منظمة التحرير الفلسطينية، استحالت تهمة لدى نظام الممانعة والمقاومة بالتخابر مع "إسرائيل"، فزُج في سجن مخابرات "سعسع" لعام آخر كان يردد خلاله قصيدة ً تُقدٍم له الأمل طازجاً على طبق من صبر فيغني:
في الزنزانة ِ
لا أحدَ إلا العتمة َسواك ْ
فافتح نافذة من روحك َ
وتحدّى سجّانك َ
فعمّا صبر أو حلم ٍ
ستفوز ُرؤاك..
عضوٌ قياديّ ٌ لحزب معارض محظور، وناشطٌ حقوقي،ّ حفظ عن ابن الخطاب قولته (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، وربما نسي ما عدا ذلك.
شاعر ٌ حصد عشرات الجوائز المحلية والعربية الأهم، وهو من الشعراء الذين مع الشعب وآلامه يهيمون، ومن الذين يفعلون ما يقولون، لذلك لم تكن صيحته -التي اكتمنت قهر الملايين (الله ،سورية، حرية وبس) ظهيرة َ الخامس عشر من آذار/2011 - إلا صدى ً لقوله ذات قصيدة:
هو وقتُ صوتك َ
فالبلاد ُ على أصابع صمتها تخطو
وترقبها الذئاب..
يومها كانوا خمسة فقط وكان َ سادسهم، يومها قال لرفاقه يشدُّ من أزرِ صوتهم:
لاتحزنوا إن ّ الشعب معنا، وكانت الشرارة الأولى للثورة اليتيمة.
في صيفٍ دمشقيّ وُلدَ "عمر منيب إدلبي" في السابع من شهر آب عام ألف وتسعمائة وسبعين ، وفي حمص نشأَ، حمص التي يعدُّها أخت مكةَ في القداسة والبركات، فخلع عليه بردى عذوبته عن طيب خاطر، ومنحه العاصي طبعه الأبدي في التمرد على باقي أنهار الشام.
بين "البياضة" الحيّ الشعبي المنسي، وبين محل أبيه في سوق "الخياطين" التاريخي في حمص أمضى طفولته يساعده في عمله، ويتابع تحصيله العلمي حتى أتمّ دراسته الجامعية في كلية الحقوق بدمشق، حيث حاز على درجة الماجستير في القانون الدولي.
لقد شكّلت معايشته لظروف سورية في مرحلة حكم الأسد الأب، واستبداد الأجهزة الأمنية بحق شعبه، وفتكها بكل معارض -إضافة إلى حادثتي اعتقاله - عوامل هامة في تكوين وعيه السياسي بشأن طبيعة النظام القمعية، إلا أنّ شخصيته كسياسي معارض لم تتبلور إلا بعد انخراطه في "حزب العمل الشيوعي السوري" المحظور، والذي أصبح لاحقاً عضو المكتب السياسي فيه. ولعلّ تكريمه بكبرى الجوائز الأدبية العربية جعل منه شخصية عامة مشهورة ً على المستوى الثقافي والإعلامي.
*ساندويشة المخبر
لكن نقطة التحول البارزة في نضاله السياسي كانت في عهد الأسد الوريث، حيث شكّل توقيعه باسمه الصريح مع نشطاء سوريين على ماسُمّي إعلان ربيع دمشق عام 2005 مطالبين فيه النظام السوري بإطلاق الحياة السياسية وعودة الديمقراطية، وكذلك توقيعه مع نشطاء سوريين ولبنانيين على إعلان (دمشق- بيروت) مطالبين فيه النظام السوري بتصحيح العلاقة مع لبنان واحترام سيادته وإنهاء الاغتيالات السياسية تحولاً من النضال السري إلى العلني وبالتالي إلى المواجهة المباشرة مع النظام، فدارت عجلة الملاحقة الأمنية بحقه من جديد، فاعتقلته المخابرات مجدداً وخضع لجولات تحقيق طويلة، ثم تركته ليظلٍ تحت المراقبة اللصيقة بكل حركاته وسكناته، حتى أنه في إحدى المرات دخل أحد المطاعم ليتغدّى واشترى سندويشتين ثم التفت إلى الخلف وأعطى واحدةً للمخبر الذي اعتاد تتبعه في كل مكان قائلا ً له خذ كُلْها صار لك من الصبح لاحقني أكيد جعت).
وتمرّ السنوات حتى تهبّ رياح الربيع العربي عام 2011 التي دكّت قلاع الطغاة في تونس ومصر، كان إدلبي بحسه الثوري مؤمنا بحتمية وصولها إلى سورية فذاكرة الشعوب المقهورة لا تتجزأ كما يقول، فكان في استقبالها على عتبات الجامع الأموي ليمضي إلى حمص بعدها محرضاً جماهير مدينته مع نشطاء غيره على كسر حاجز الخوف العاتي الجاثم على حناجرهم، وكانت حمص حينها تغلي على وقع أحداث مجزرة الجامع العمري في درعا، لتنطلق المظاهرات في حمص تؤازر درعا، ولتزحف حمص فيما بعد بتاريخ 18/4/2011 بأحيائها وأريافها حتى تربض عند الساعة الجديدة وسط المدينة وليختلط الدم الحمصي بالدم الجنوبي في ذاك اليوم المشهود حين قضى المئات من أهالي حمص برصاص قوات الأمن فيما عُرف بمجزرة الساعة.
نجا عمر إدلبي من مجزرة الساعة بأعجوبة، لكنه أصبح على رأس المطلوبين، وكان لا يبيت ُفي مكانٍ أكثر من ليلة واحدة.
حين اتسعت دائرة الحراك الشعبي السلمي في سوريا ولإيمانه بفعالية العمل الثوري المنظم قام عمر إدلبي مع مجموعة من الناشطين بتأسيس اتحاد تنسيقيات الثورة السورية التي نظمت الحراك الشعبي ووحدته وصار إدلبي ناطقاً إعلاميياً باسمها على القنوات التلفزيونية الكبرى، فجنّ جنون أجهزة النظام الأمنية، وازدادت شراسة الملاحقة، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الإمساك به، لكنه تمكن من الفرار، فغادر حمص مضطراً دون أن يودّعها. ودون أن يصطحب معه كما عادة الشعراء في الأسفار، دفاتره والأشعار، يومها حين عبر الحدود إلى لبنان، بكى عمر إدلبي.
وفي بيروت، حيث حزب الله الحاكم ُ العرفي والذراع الطّولى للأسد في لبنان لم يطل به المقام، فقصد قطر وحطٍ رحاله في دوحتها الآمنة متابعاً رسالته النضالية حين انتخبته تنسيقيات الثورة ممثلاً لها في المجلس الوطني، ومن ثم في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي أصبح ممثلاً للشعب السوري باعتراف دولي.
وحين تم تشكيل حكومة الائتلاف في المنفى، كان إدلبي أول من شغل منصب قنصل الحكومة في قَطر الذي ما لبث أن استقال منه على الرغم من الامتيازات المادية والمعنوية المحيطة به، ذلك أنّ المناصب لم تكن تعنيه إلا بمقدار توافقها مع مبادئ لا يساوم عليها، والتي سبق ودفعته منذ الشهر الثاني للثورة إلى الانسحاب من عضويته في اتحاد الكتاب العرب السوري لمواقفه المؤيدة لقتل المتظاهرين السلميين من قبل قوات الأمن.
كانت دماء الشهداء، وحرية المعتقلين بوصلة نضاله، ولذلك حين رأى المشهد يسير خلاف مبادئ الثورة وأهدافها رفض الدخول في مساومات أستانا وسوتشي ولم يغرف من سلالها الأربع، واعتزل الواجهة السياسية للمعارضة. وكطبع الطيور الحرّة اشتقّ إدلبي لنفسه سماءً أخرى أوسع ليحلق بها بعيداً عن إملاءات الجهات والدول فأسس مع غيره من الأحرار (تجمع ثوار سوريا) كفصيل سياسي مستقل مازال يؤمن بالأهداف الأولى للثورة مع الحفاظ على الثوابت واستقلالية القرار السوري، وسخّر جريدة "حرية برس" الإلكترونية التي أسسها لتكون منبراً يطابق اسمها.
ولربما شغلت السياسة عمرَ عن الكتابة إلا أنه كما يقول فإن زرع ابتسامة على شفتي طفل في مخيمات اللجوء هي أروع قصيدة ليس من السهل كتابتها. تلك النزعة الإنسانية كانت عنواناً له في نضاله ومواقفه وكتاباته، فعندما تطلع على مكنونات روحه تنفسحُ أمامك َ لمحات ٍ تعبق بالإنسانية والوفاء والحساسية لدرجة أنه يبكي كالأطفال مناجياً ربه: ياربّ لم خلقتني من بلورٍ يشفُّ عن نبض لايفترُ حزنهُ وحين يغفو يهوي كدمعة.
ولأَشدّ ما يتمنى القنصل المستقيل أن يستعيد تلك العلبة التي خبّأها في ركن ما على الحدود السورية اللبنانية يوم غادر الوطن والتي أودع فيها بضع زهرات ياسمين، وقطع لها وعداً بالعودة عندما تنتصر الحرية على الظلم، عندها فقط سيقوم بما لم يستطعه حين كان الجنود المدججون بالحقد والبنادق يطاردونه في حمص حين تمنى أن يُخاصرَ العاصي للحظة واحدة، ويلتقط معه صورةً تذكارية ربما يراها الجاهلون صورة عادية لرجل على ضفة نهر، فيما يراها العارفون صورةً تذكاريةً لنهرين، لكنه في منفاه الآن يخشى ألا ينتظره النهرُ أو أن يمضي العمر..
القنصل الناجي من المجزرة بتوقيت ساعة حمص

سليمان النحيلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية