يبدو أن حالة الحجر المنزلي التي رافقت جائحة كورونا قد أرخت بظلالها على المجتمع السوري على الأقل في وطنهم الافتراضي "وسائل التواصل الاجتماعي"، وقد عبروا عن ذلك بمجموعات عديدة قاموا بإنشائها على هذه المواقع بداية بمجموعات اللهجات المحلية، مروراً بمجموعات الطبخ، وانتهاء بإعلانات الترشح لرئاسة سورية لعديد من الأِشخاص جميعهم خارج سورية؟؟غير أن جائحة إعلان الترشح لرئاسة سوريا طغت على جائحة كورونا.
إذاً الحجر المنزلي للسوريين في دول شتاتهم بدل أن يأخذ منحىً اجتماعياً يتضمن مبادرات تكافل اجتماعي لمساعدة متضرري الحجر ممن فقدوا أعمالهم أو المهجرين والنازحين في الخيام، أخذ منعطفاً سياسياً فجرته تغريدات متتابعة للإعلامي الإسرائيلي الأشهر حالياً على موقع تويتر(ايدي كوهين)، توقع فيه رحيل الأسد في الأشهر المقبلة متسائلاً هل من الممكن أن يكون الرئيس القادم المعارض فهد المصري؟.
تغريدة أطلقت عنان الطموح لـ"المصري" لينشر كلمات مسجلة متتابعة يوجه فيها رسائل للسوريين داخل سوريا وخارجها، معارضة وموالاة ورسائل للقوى السياسية السورية المعارضة و"العاملين في الدولة السورية"، وللدول الإقليمية وفي مقدمتها "إسرائيل"، معلناً تحضير نفسه لرئاسة سوريا بعد بشار الأسد.
وهنا وبدون الدخول بتفاصيل فيديوهات "المصري" ومضمونها، لكن أي متابع موضوعي لخطابه يراوده سؤال هل هذا الرجل كامل القوى العقلية؟ هل يدرك ما يقول فعلاً؟ وهذه الثقة بالنفس التي يتكلم بها من أين أتى بها، وبشار الأسد ونظامه مازالوا على كرسي الحكم والسلطة.
وهل يعتقد المصري حقيقية وهو في فرنسا على بعد آلاف الكيلومترات من دمشق بأنه سيأخذ كرسي الحكم بهذه السهولة والبساطة؟ بدون أن يملك قاعدة شعبية له، أو حزب وكيان سياسي يدعمه، أو كتلة سياسية معروفة في أجسام قوى المعارضة تفوضه، وحتى دون دعم فعلي لقوى دولية ما عدا ما يسوقه من تقديم رسائل تطبيعية كأوراق اعتماد له في "إسرائيل"، في بلد مقسم تحت نفوذ قوى إقليمية ودولية وجيوش لهذه الدول تضمن لها مصالحها ونفوذها.
غير أن الموضوعية تقتضي توجيه الشكر لـ"فهد المصري" على نقطة واحدة فقط، وهي جرأته المستغربة التي حركت المياه الراكدة على الصعيد السياسي السوري، وكسر حالة الجمود الذي كان تعيشه سوريا والسوريون، وفتح باباً يتعدى قضية أن يعلن شخص ترشحه لرئاسة سورية، ليظهر بعدها أكثر من شخص يعلن ترشحه للرئاسة ويطرح برنامجاً انتخابياً.
والمتابع يلحظ حالة التفاعل بين السوريين على قيام هؤلاء الأشخاص بترشيح أنفسهم، وهنا تجدر الإشارة لدعوة دريد الأسد ابن رفعت الأسد والده للعودة إلى سوريا والتي اعتبرها البعض تدور في ذات دائرة إعلان المصري وغيره الترشح للرئاسة.
جاء تفاعل السوريين مع هذه الظاهرة خارج سوريا بين ساخر من الأشخاص والفكرة، وبين مؤيد لبعض هؤلاء المرشحين، وكذلك ساد نقاش محموم بين رافض لأي علاقة مع "إسرائيل" وبين موافق عليها إن كان الثمن رحيل الأسد؟.
ولكن ما يهم فعلاً في هذه الظاهرة ثلاثة نقاط رئيسية: -الأولى: أن الثورة السورية أتت أكلها على الأقل في نقطة تجرأ عشرات السوريين على الإعلان صراحة عن نيتهم ترشيح أنفسهم لمنصب الرئاسة الذي احتله آل الأسد طوال خمسين عاماً، في وقت كان فيه السوريون قبل عام 2011 لا يتجرؤون حتى على التفكير بهذه الفكرة.
-الثانية: الأثر النفسي لهذه الظاهرة داخل سوريا بين الموالاة أو الفئة الصامتة وصولاً إلى مسؤولي الدولة والعاملين في أجهزتها، بأن التغيير قادم وبأن الأسد لن يبقى للأبد وما قد يرافق ذلك من تصرفات أو تحركات لهم ربما تدفعهم للبحث عن دور قادم لهم في سوريا دون الأسد.
والنقطة الثالثة والأهم أن النخب السورية السياسية أصبحت الآن على المحك لتتحرك من فترة السبات الطويلة التي عاشتها في السنوات الأخيرة، وأن عليهم المبادرة والتقدم نحو العمل والانخراط الفعلي به بدل الاكتفاء بالتنظير.
شخصيات سياسية سورية كثيرة آثرت الصمت في الفترة السابقة غدا من واجبها تقدم الصفوف والجرأة في الانخراط في العملية السياسية في أوساط السوريين، وأن يطرحوا برامجهم السياسية لسورية المستقبل للشعب السوري، وأن يقدموا برامجهم الانتخابية ويشكلوا مجاميع عمل خاصة بهم، تحضيراً ليوم مهما تأخر لا بد أنه قادم في سورية الجديدة لانتخابات رئاسية وبرلمانية ستشمل السوريين داخل سوريا وفي دول لجوئهم.
فراس حاج يحيى -حقوقي سوري
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية