على الأرجح، جاء العلّامة، أبو اليقظان المصري كورونا من الآخر، لعلمه اليقيني، أنها ستصيب كامل سكان الكرة الأرضية، وإن بعد حين، فاستقبلها غير مستدبر، وأقام صلاة الجمعة "جماعة" بمدينة إدلب أول من أمس.
أو، ربما الجليل أبو يقظان، اطلع على التجارب العالمية، ووجد بما فعلته السويد عين الصواب، والحل بالمواجهة وكسب المناعة و"ما بروح غير المقطوع منه النصيب" ولا يموت إلا الخالص عمره، وليس للمؤمن الهرب من قدره.
وربما، وهو احتمال قائم، للشيخ الجليل المستورد من أرض الكنانة، وجهة نظر عبّر عنها بعض "إخوته الواقعيين" وهي أن كورونا عامل تخويف ومؤامرة لإبعاد المؤمنين عن دور العبادة، فشهر عصاه وقال من يريد الصلاة جماعة فليتبعني إلى الجامع.. وكان له ما كان.
قصارى القول: تراجع المتهورون وسماسرة الأديان، بمن فيهم من سخر من الفيروس ورأى فيه محاولة "الكفرة" لإبعاد "المؤمنين" عن دور العبادة، فرأينا دعاة لعق الأضرحة، في طهران وبغداد، قد انكفؤوا، بعد أن باتت إيران مصدرة للفيروس ووصلت استغاثات ملالي طهران إلى ما بعد قبرص.
وشاهدنا الكهنة خجلوا بعد أن دعوا لتقبيل الأيدي وصليب المطران والأكل بذات الملعقة "الماستير" والشرب من "أواني المذبح المقدس".
ووصل الأمر لإفراغ المسجد الحرام والكعبة المشرفة وحتى إلغاء الحج والعمرة لهذا العام، بعد أن اتفقت المراجع، بمن فيهم، هيئة كبار العلماء بالأزهر في مصر، التي أفتت بجواز تعليق صلوات الجمعة والجماعة، ووجوب بقاء كبار السن في منازلهم وعدم الخروج لصلاة الجماعة، حماية للناس من فيروس كورونا.
فالأمر لم يعد "عقابا للكفرة" بعد أن غزا الفيروس بلاد المسلمين ولم يعد مؤامرة أمريكية بعد أن تبوأت الولايات المتحدة المركز الأول بالإصابات، ودخل منذ 11 الشهر الفائت الفيروس بطور وتصنيف الوباء، ليحصد حتى ليل أمس، 60 ألفاً بعد أن تجاوز عدد المصابين حول العالم، مليوناً ومائة ألف شخص.
إلا شيخنا "أبو اليقظان"، لم يستجب لكل تلك الفتاوى، ولا حتى على صعيد تعجيل إقامة الصلوات أو تقصير خطبة الجمعة ولا إقامة الصلاة في ساحات مفتوحة، بل تحدى قرار حكومة الإنقاذ العاملة في إدلب، عبر إقامة صلاة الجمعة وعنونها "أشد حباً لله".
وقال متحدياً الفيروس الضليل، إن المسلمين سيحضرون صلاة الجمعة في المساجد، لأنه من البدعة ترك صلاة الجمعة وإقامة صلاة الظهر في المساجد يوم الجمعة مع توفر شروطها، رافضاً إغلاق المساجد لأي سبب كان، لأن "كورونا علمنا أن للمساجد دورًا عظيمًا في المحن والفتن، فإليها المرجع ومنها تخرج الفتوى ويرشد الناس، فلا تغلق أبدًا".
نهاية القول أمران، الأول مثير للدهشة والغرابة بآن، إذ كيف لأهل إدلب وبعد كل الذي لمسوه وشاهدوه، يسيرون لموت محتمل بأرجلهم، ويقتادون بالشيخ العلامة أبو اليقظان، ألم تعلمهم تجارب من سبقوه من الشيوخ المستوردين وأين أوصلتهم فتاويهم، ولعل الأغرب والمفجع، عودة بعض الشباب لفكر التطرف والإلغاء هذه الآونة، بعد سحبهم من مقولة "الإسلام هو الحل" حتى للتغلب على فيروس كورونا.
والأمر الآخر، أيعلم شيخنا المحترم، أن محافظة إدلب تخلو من أجهزة كشف كورونا ومن أي علاج وحتى مشاف تسعف المصابين، وهل فكر أخونا المصري بالاكتظاظ بمحافظة إدلب وأي كارثة ستحل فيما لو انتشر الفيروس، خاصة بمناطق النزوح الأخيرة التي يفتقر أهلنا المساكين هناك، لأبسط سبل الحياة، من ماء وغذاء ومأوى، وليس طرائق الوقاية فقط.
مؤلم وعلى غير صعيد ومستوى ما شاهدناه عن اقتياد أبنائنا وإخوتنا بإدلب، تحت شعارات التغييب إلى المسجد، والأكثر إيلاماً، أن تجارب الأنقياء بإدلب مع أصحاب اللحى لم تفد أهلنا وتعلمهم حتى اليوم ورغم كل المآسي والقتلى، العدو من الفيروس من الصديق !!.
* أبو اليقظان المصري أحد القياديين البارزين السابقين في حزب "النور السلفي" في مصر أتى إلى سوريا عام 2013 وعمل شرعياً في لواء "مجاهدون أشداء" التابع لـ"حركة أحرار الشام، من ثم انشق عام 2016 عن الحركة وأفتى بجواز قتل "جنود أحرار الشام" رمياً بالرصاص، لينضم إلى صفوف "هيئة تحرير الشام"، ليصبح أبرز شرعيي الجناح العسكري بالهيئة، ليستقيل عام 2019 من "تحرير الشام".
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية