من نافل القول ولزوم مالا يلزم، البحث في دور محمد بن زايد، ولي عهد الإمارات ورئيسها الفعلي -بعد تغييب أخيه سلطان لسنوات- بدعم الديكتاتوريات حول العالم والسعي الدؤوب والمستمر، لإجهاض الحريات، وفي مقدمتها ثورات الربيع العربي، سواء عبر مد يد العون لسيسي مصر أو دعم الأسد بالمال والترويج أو حتى تقوية حفتر ليبيا وانفصالي اليمن.
كما، بهدف عدم التوسعة والتشتت، وعدم البحث في "إنما هو وحيٌّ يوحى" ودور الكبار، واشنطن وموسكو خاصة، بأدوار عيال زايد الوظيفية، والتي لولا أضواؤهم الخضر، لما تجرأ هؤلاء البيادق على سلسلة الإجرام وزرع الفتن بمنطقة الخليج وخارجها.
لذا، سنتوقف على آخر حدث جاء ضمن نتائج "فيروس كورونا" أو على حامله الإنساني، وهو نقل العلاقات الإماراتية الأسدية، من تحت الطاولة والغرف المغلقة، إلى الضوء والعلانية.
لا أعتقد أن الخبر، يكمن فقط باتصال محمد بن زايد العلني، بعد تسع سنوات من القطيعة النظرية، برئيس النظام السوري، بشار الأسد، أو بما دار على حامل كورونا، بل ولا حتى بتبدل دور وموقف دولة الإمارات، من "نظام بشار يرتكب جرائم بشعة وينتهك المواثيق الدولية ونؤيد الضربات الأميركية ضده" إلى "تقديم الدعم لسوريا الشقيقة وأنها تكون وحدها في أزمة كورونا".
فعلى أهمية تلك المفاصل وما تثيره من شهية، للبحث والمتابعة حول أسباب التبدل ومن وراءها.
بيد أن ما هو أخطر برأينا، يكمن بأن ثمة من لم يزل يؤيد بشار الأسد ويتمنى بقاءه، سواء ضمن جامعة الدول العربية ومساعي عودته لحظيرتها، أو دولياً جراء ما رأينا من جهود، لرفع الحظر والعقوبات بقوالب إنسانية، أو، وهو مربط فرسنا اليوم، من هم داخل سوريا وخارجها، ممن يلبسون ثوب المعارضة مقلوباً.
وسآتي على مؤشر، ليكون منطلقاً للحديث عن "وباء" جديد بدأ ينتشر بين السوريين، بعد الظن أنهم شفوا منه إلى غير عودة.
المثال أن صفحة "رئاسة الجمهورية العربية السورية" نشرت خبر اتصال بن زايد بأخيه بشار الأسد، فكان التفاعل حتى مساء أمس، يعني بغضون 24 ساعة "24 ألف لايك و7500 تعليق و2200 مشاركة".
ثمة ومضات، على الأرجح أن تخطر على بال القارئ، سواء حول تواضع الأرقام قياسياً بصفحة راقصة مشهورة أو أن ثمة ذبابا وبعوضا إلكترونيا، مخصصا للإعجاب والتعليق والرد على "الآخر" أو حتى، طبيعي أن يكون عشرات الآلاف لم يزلوا معجبين ببشار الأسد، رغم الذي فعله بسوريا، ولأسباب تبدأ جغرافية وتنتهي "ليس حباً بعلي إنما نكاية بمعاوية".
لذا قلنا إن المثال مؤشر وإن غير كاف، لننتقل منه إلى ما هو أبعد، أي الوباء الذي عاد بالانتشار أخيراً بالأوساط السورية، بمن فيها فئة المناضلين دعاة الحرية والعدالة الاجتماعية.
قصارى القول: أماط سوريون وكثر، القناع عن وجوههم بالآونة الأخيرة عبر التضليل بالطرح والتفخيخ بالمقارنة، ليسوّقوا لبقاء بشار الأسد على كرسي أبيه، على الأقل، حتى تنتهي ولايته الثالثة العام المقبل، وبعدها يكون الحكم للشعب والصناديق، أي حتى بعد 21 سنة من الحكم الوراثي، يترشح بشار الأسد والقرار، كما تروّج موسكو، للسوريين.
ووجد هؤلاء، أن الأسد أفضل من المعارضة التي لم تعرف، بعد تسع سنوات، طريقاً لتكوين مؤسسة أو تقدم بديلاً ديمقراطياً، سواء عبر حكمها بالمناطق المحررة أو حتى ضمن التشكيلات السياسية وغير السياسية، التي أفرزتها سنون الثورة والدعم الاقليمي والدولي.
ويرمي هؤلاء ضمن صنانير أفخاخهم أسئلة، من الغباء اعتبارها غبية أو مكرورة، بل فيها ما يستدعي الوقوف على مضامينها قبل محاولات الإجابة، والتفكّر في مصادفة تزامن الطرح وعلى أكثر من مستوى وشخص وموقع.
من هاتيك الأسئلة على سبيل المثال "هاتوا لنا مشروعاً بديلاً قدمته المعارضة" "هل طرحت المعارضة من أهداف سوى إسقاط النظام" وثمة أسئلة أخذت طريق الوضوح أكثر من التعمية والتعميم، لتنبئ ربما، ولو بإشارة، إلى من وراءها، من قبيل "أليس الدافع الطائفي هو سبب السعي لإسقاط النظام...بدليل (سنية) المعارضة ورئاسة تنظيماتها".
الأول، وليس من قبيل الدحض أو المحاججة لتلك الأقوال ودعاتها، بقدر ما هو شهادة على عصر عايشه الجميع وربما لا يحتمل الخلاف، كما بأحداث جرت قبل قرون ويشك بتأريخها ودلالات مؤرخيها.
لا يمكن لنظام غير صحي وديمقراطي أن يفرز معارضة وطنية منظمة، وهنا اللوم لا يقع على المعارضة بقدر ما يستدعي البحث بالأنظمة المستبدة التي تطلب موافقات أمنية لإقامة عرس أو افتتاح مطعم فلافل، بل لم تتوانَ خلال عهدي الأسد، الأب والابن، من سجن اليمين واليسار وما بينهما، لمجرد قراءة جريدة معارضة أو حتى اقتناءها.
وهذا لا يعني البتة الدفاع عن المعارضة السورية التي ارتمت بأحضان الداعمين وأساءت للسوريين، على الأقل بتأخير أحلامهم وإعطاء ذريعة للمتربصين.
كما وبرأينا الأهم، هو النظام نفسه، فعدا عن تدويله وأسلمته الثورة وجل المعارضة، هو من دفعها للسلاح وبنصائح إيرانية، لتصل ما وصلت إليه في عدم خلق بديل كما يدعون، وسلمية الثورة وصوفيتها، ليست ادعاء وتبييض صفحة، بل هي واقع اعترف به رئيس النظام نفسه خلال خطابه بجامعة دمشق.
عدا عن كل ذلك، بلغ وريث الحكم بسورية بإجرامه ما لم يفعله سواه بشعبه وعلى مر التاريخ، سواء لجهة القتل والاعتقال والتهجير، أو حتى جلب المحتلين وبيع الثروات والمقدرات.
وأما الأمر الآخر والأخير فهو، من الضرورة لسوريا المستقبل على الأقل، أن يلتقي السوريون على أمر سواء، إذ وبمزيد من الخلاف وتعميق الأحقاد، دمار لأي أمل لا محالة، ولكن ذلك "السواء" لا يمكن أن يكون على إعادة إنتاج المجرمين بخديعة شيطنة كل المعارضة وأفخاخ التسامح وعدم وجود البديل، فبذلك جريمة كبرى ليس الحق لأي سوري، حتى باقترافها.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية