لعب جيش الأسد دوراً أساسياً في المحافظة على نظام الحكم القائم منذ عقود في سوريا، وأثبت الجيش مرّة وراء أخرى بأنه الموالٍ الأقوى والأكبر للنظام الحاكم، وذلك بالرغم من كمية الانتكاسات التي تعرض لها على سواء على الصعيد الخارجي منذ نكسة حزيران عام 1967 وأيلول الأسود 1970 وحرب تشرين 1973، ولبنان 1982، أو على الصعيد الداخلي عبر تدخل الجيش لصالح النظام في حماه ثلاث مرات على التوالي 1965 – 1982 – 2011، وغيرها في القامشلي وأحداث درعا والسويداء خلال السنوات الأولى من حكم بشار الأسد، وكذلك انخراطه التام لصالح النظام منذ بداية الثورة السورية عام 2011 والذي يعتبر أكبر نكسة لهذا الجيش والتي أدت لخلق تصدعات كبيرة ومتنوعة أفقدته كلياً الحياد وحتى القدرة على استملاك هذا الحياد، ولولا التدخل الخارجي سواء الإيراني أو الروسي لكان الجيش ومن خلفه النظام السوري من الماضي.

ونشر المركز في دراسته جدولا لقادة الجيش كشف فيه أن أهم 40 مركزا عسكريا وزعها الأسد على أقربائه وأبناء طائفته ومناطق تواجده لا سيما كمسقط رأس عائلته "القرداحة" وجارتها "جبلة" بصدارة (27% للقرداحة، و22% لجبلة)، وكذلك محافظتا "اللاذقية وطرطوس" وما حولها من قرى أفرزت مئات الضباط وآلاف العناصر، إضافة إلى ريفي حمص وحماه، وهي مناطق يعرفها السوريون أنها الخزان البشري لعناصر وضباط جيش ومخابرات وميليشيات الأسد لا سيما بعد انطلاق الثورة في آذار مارس 2011.



وأوضحت الدراسة أن الأسد الأب (حافظ) هندس، ضمن منهج "ثالوث القيادة" (قاعدة توازن طائفي)، مراكز القوة اجتماعياً بطريقة تضمن ولاء الجيش للنظام وتمنع تحوله لأداة سياسية ضد سلطته؛ إلا أنه وبعد الثورة السورية ولأسباب عدة تصدع ثالوث القيادة في الوحدات العسكرية لصالح تولي الضباط العلويين قيادة تلك الوحدات ليس في الصف الأول فقط بل في الصف الثاني والثالث وما يليهما.
وتوصلت إلى أن من يشغل هذه المراكز الحساسة هم ضباط من الطائفة العلوية، من القائد العام ووزير الدفاع مروراً بقادة الفيالق العسكرية وقادة الفرق وأجهزة الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع، وذلك خلال خلال استقصائها للتوزع الطائفي والمناطقي لأهم 40 مركزاً في الجيش السوري حتى تاريخ 10/3/2020.
وحسب الدراسة فإن ضباط اللاذقية يسيطرون على 58% من المناصب القيادية، بينما يسيطر ضباط طرطوس على 17%، وضباط حمص على 15%، في حين يسيطر ضباط حماه على 10%.
وبينت أن هناك محاصصة غير معلنة ما بين ضباط مناطق القرداحة وجبلة وطرطوس ودريكيش، حيث يتولى ضباط من جبلة قيادة ثلاثة فيالق وعدد من الفرق النوعية. بينما يتولى ضباط القرداحة قيادة فيلق وضابط من حمص قيادة فيلق آخر، كما يتولى ضباط القرداحة أكثر الفرق العسكرية قوّة وتنوعاً، في حين يقود ضابطان من نفس القرية بمنطقة دريكيش في محافظة طرطوس قيادة أعتى وأقوى جهازي استخبارات في سورية.

وظهر جليا من خلال الدراسة أن الثقل المركزي في الجيش للضباط المنحدرين من اللاذقية بشكل أساسي، ومن جبلة والقرداحة بشكل خاص.
وتختلف الأسباب التي أوصلت الجيش السوري لحالة عالية من العلونة، وبالطبع هذه العلونة موجودة على مستوى القيادات أو على مستوى الممارسة الفعلية في صفوف الجيش.
وعزت الدراسة "علونة الجيش" إلى أسباب تاريخية كالأساس الذي بني عليه الجيش منذ قضية وحدات المشرق الخاصة، وبأسباب تتعلق بوصول حزب البعث العربي الاشتراكي عبر انقلاب عام 1963 وسيطرة الضباط البعثيين من الأقليات الطائفية في سوريا على مجلس قيادة الثورة، والصراع مع حركة الإخوان المسلمين. وحادثة مدرسة المدفعية في حلب. وصولاً لأحداث الثورة السورية منذ 2011.

ومن جهة أخرى تبرز عدة أسباب في تنامي هذه المنهجية كممارسة الإقصاء على منتسبي الكليات الحربية من مختلف الطوائف ومن ضمنها السنة، بمقابل زيادة نسبة منتسبي العلويين في سلك الضباط.
كما ذكرت أن أحد الأسباب أيضا يتمثل بعزوف "السّنة" عن التطوع في سلك الضباط نتيجة الشعور السائد بأن أعلى رتبة قد يصل إليها الضابط السني هي رتبة عقيد، في حين أن الحظ سيكون حليف القلة القليلة أصلاً في تجاوز هذه الرتبة.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية