في زحمة الاصطفافات وغلبة السياسة والموت والمجهول، ربما الأنسب، الهروب إلى الجمال، ذاك الذي فقدناه فدفعنا ثمن فقدنا، يتم وغربة وضياع.
تاج الدين الموسى، أحد أعمدة الجمال المرصعة بحجارة الطيبة والرجولة والالتزام، قفز للذاكرة بأيام الاختلاط والتلوّن، فذكرى رحيله كانت بالأمس، وقت فقدت إدلب تاج ثقافتها، وبقيت حاسرة الرأس من دون تاج.
عرفت "أبو صطيف" بعد "مسائل تافهة" تلك المجموعة التي فازت بجائزة "سعاد الصباح" عام 1992، قبل أن يثري رفوف القصة السورية، برباعية بعدها "الشتيمة الأخيرة" و"حارة شرقية وحارة غربية" و"سباق بالمقلوب" و"الخائب" والتي حملت بعضها خلال هجرتي، من ضمن قلة من الكتب التي حملت وأحب.
ولأن النقد الأدبي ليس مهنتي، سآتي على بعض "تاج الإنسان" رغم غنى وخصوصية ما كتب، والتهكمي الموجع منه خاصة، رغم جدية تاج التي تقترب من التجهم والحزن الأبدي على واقع، ربما قلة من كان يراه كما رآه.
ومن يقرأ "آخر الرقصات" بمجموعة "الخائب" ربما يعرف تاج من داخله، تاج الذي أرّخ لخروج معتقل متهدل، أكلت سجون الأسد سني شبابه، قبل أن تلفظه غريباً تائهاً بعالم بائس، كما حقبة الثمانينات التي كشر خلالها الأسد الأب عن أنياب استبداده، ليعلن بداية سقوط سوريا الذي لما ينته.
ومن إنسانيات تاج الدين الموسى، شجاعته بزمن الخوف والصمت، وربما بتوثيق هيئة ونفسية وأم المعتقل "بطلة القصة"، بهاتيك المرحلة.
مؤشر على استعداد تاج للمواجهة، والتي استمر بها حتى آخر أيام حياته، وكنت ألمسها لدرجة الخوف عليه من بطش "الرقيب"، حينما كنت أعمل بجريدة "النور" التي يرفدها تاج بمقالة أسبوعية ترويستها "رسائل لا تصل بالبريد".
ومما أذكر وأعرف وقيل لي عن تاج، إنه كان دليل المعارضة بإدلب، فمن يخط بياناً حول حقوق الإنسان ونصرة السوريين، أو حتى اللبنانيين من بطش النظام السوري، ويريد تذيله بتواقيع مشاهير إدلب، فتاج هو الدليل.
واستمر الحال بتاج على هذه البطولة والمواجهة، ليتجلى أكثر ما تجلى، خلال الثورة السورية، فأبو اصطيف، ربما كان قائد الثورة بإدلب أو بطلها على الأقل، ومما يرويه الأصدقاء بدهشة، كيف كان يواجه تاج ويناور الأمن ويركض، وهو المريض السرطاني الذي استأصلنا له إحدى رئتيه بدمشق...ولذاك السرطان ودخان تاج ولهاثه، حكايات وذكريات لا تنتهي.
فخروج تاج الدين الموسى وأصدقاء آخرين بالثورة كخطيب بدلة، خير الدين عبيد، عبد القادر عبد اللي، وياسر السيد، أعطى لها لوناً آخر، وبدد فيما بدد، مقولات أراد كثيرون ترويجها، بأن من خرجوا هم العامة ولم يك بالثورة مثقفون وأعلام.. وإن بإدلب على نحو خاص، إذ كان مثقفو حمص وحماة وحتى دمشق، بطليعة المنتفضين في آذار ونيسان 2011.
أذكر، كلمات تاج آخر مرة وقت كان بمشفى "الهلال الأحمر" بإدلب وكنت أمين تحرير جريدة الحزب الحاكم، وشعرت وقتها بترددي وخنوعي، الذي برره، أو حاول تبريره أبو اصطيف، ليس من منطلق لك رأيك ونحترمه أو هو باب رزقك وحافظ عليه، بل من قبيل، نحن نعرفك وأنت صوتنا بالشام.
صباح الأمس، كلمت امتداد تاج، ابنه المبدع مصطفى، تبادلنا بعض بعض تاج الغني، وأرخّت للتاريخ، كما أفعل بذكرى أبي اصطيف كل عام:
" في مثل هذا اليوم من عام 2012 خسرت إدلب تاجها الثقافي برحيل الأديب المبدئي، تاج الدين الموسى. ليس على مبدأ، محاسن موتاكم، لكن من كان يعرف تاج، يعرف أنه رجل وصادق ونبع موهبة، وربما من خصوصيته رحمه الله، زهده بما يلهث إليه كثيرون، كالضوء والمال، فكانت (كلابيته) دليل أصالة وجمال وهيبة ابن البلد. عزاؤنا بمصطفى تاج المتألق، حمل لواء القصة على طريقته، ويسير باتزان نحو القمة".
نهاية القول: من الأسئلة الموجعة التي تجتاحني كل حين "ترى لو أن فلاناً على قيد الحياة وشهد ثورة السوريين، فماذا تراه سيفعل وأين يمكن أن يتموضع" ويخطر على البال ممدوح عدوان وسعد الله ونوس ودانيال نعمة وعصام الزعيم، وسواهم ممن لهم تأثير ومكانة، بالسوريين وقلوبهم.
بيد أن أشخاصاً، يسقطون هذا السؤال حتى قبل طرحه، ربما تاج في مقدمتهم...والأرجح، إن من خسائر أوجعت ثورة السوريين، كانت بموت تاج وعبد اللي وصادق جلال العظم ومي سكاف ونبيل المالح والرمز الساروت...فتيتمت بعد رحيلهم الثورة وغدت طفلة نازحة، تنتظر دفء الرجولة والمواقف على أبواب مخيّمات الحرمان.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية