أعادتني زيارة حافظ بشار الأسد "المفاجئة" لثانوية الباسل للمتفوقين بدمشق قبل أيام، إلى زيارتنا السرية لبيت أحد الأصدقاء بحي جرمانا بريف دمشق، عام 2007 على ما أذكر، لمشاهدة فيلم "طوفان في بلاد البعث" للمخرج الراحل عمر أميرلاي.
أذكر وقتها، اجتمعنا خمسة صحافيين وبدأنا مشاهدة الفيلم الممنوع عرضه بسوريا، بل وممنوع حتى بالمهرجانات بعد أن لاحقت دولة البعث فيلم أميرلاي إلى مهرجان قرطاج لمنع عرض ما يسيء لفكر البعث وشخص حافظ الأسد ووريثه بشار، بعد أن اشتغل أميرلاي بكوميديا سوداء، على السد ليكون ذريعة تطورية للانسداد والسد أمام السوريين بالتطلع للحرية والتطور. وكيف انهيار أحد السدود التخزينية وغمر قرى ومنازل وذكريات، معتمداً أميرلاي، بأدواته السينمائية البسيطة ولقطاته الرتيبة التي تعكس إيقاع سوريا بدقة، على البرلماني الممثل للشعب "دياب الماشي" الذي يؤلّه حافظ الأسد وقاطرة التعليم في القرية، خلف صالح الماشي..وطلاب المدارس وأخيراً المئذنة.
ليقول المخرج وبشيء من الرمزية وأشياء من الوضوح، امتلك حافظ الأسد حكم سوريا للأبد عبر سيطرته على العشائر وتدجين الشعب عبر إخافتهم لدرجة عبادتهم لمن يخيفهم، وعلى العملية التربوية وجيل المستقبل...فضلاً عن ممثلي الأديان أو سراقه، عبر مئذنة قيد الإشادة وآذان الفجر بآخر الفيلم.
إلا، يلمّح المخرج الراحل، إن امتد الطوفان وانهار سد الفرات كما زيزون عام 2002 وكأنه يتنبأ بثورة السوريين، وهي الطوفان الأكبر الذي لم توقفه سدود ولم يمنعه الخوف، بل وربما المفاجأة، أن جيل أميرلاي الذي صوره بالفيلم عام 2005 هو نفسه جيل الشباب الذي قاد الثورة وأحدث الطوفان ببلاد البعث بآذار 2011.
بالأمس، وخلال نشر صور وريث الحكم الجديد "حافظ بشار حافظ الأسد"، وهو يوجه مدير المدرسة "أحمد الأحمد" والذي لا يختلف كثيراً عن خلف الماشي، أجهدت نفسي بالتفكير فيما قاله الماشي الجديد "الأحمد" لكني لم أصل إلى أبعد مما قاله الماشي السابق وهو يروي لكاميرا أميرلاي "المعلمون دائماً بعثيون"، وكيف يعسكر الطلاب وإن على الطريقة الدمشقية العصرية التي تختلف فقط بشكلها، عن بعثنة أطفال الرقة بقرية الماشي "الفرقة العاشرة جاهزة للدرس رفيقي المشرف"، وكيف يمجد بباني سوريا الحديثة وطلابه محشورين بالمقاعد ويتغنى بالأتمتة والكمبيوترات مكدسة بصناديقها.
ما أشبه اليوم بالأمس، ففي واقع طوفان إدلب وغرق أهلها تحت أنقاض بيوتهم وعلى الحدود، لتتفوق على الطوفان الذي صورته كاميرا أميرلاي عبر مزارع بريف الرقة "نحنا وأولادنا عشنا وكبرنا بسلسلة من القرى على وادي الفرات، فجأة خزنوا مياه السد، ورأينا كيف تغرق وتتدمر بيوتنا...وتدمرت معها كل الذكريات" يأتي فيلم وعد الخطيب "إلى سما" ليصور جزء مما قبل الغرق، جراء الحصار والقصف الروسي الأسدي لحلب، ولكن هذه المرة، لم تعرف بلاد البعث منع عرضه، بل حصد 44 جائزة العام الفائت ووصل ونافس على الأوسكار هذا العام.
خلاصة القول: ربما لم يزل، ذئاب ومواشٍ كثر اليوم، يؤلّهون وريث الحكم كما وثقت كاميرا "طوفان ببلاد البعث" عن دياب الماشي "السيد الرئيس رجل المواقف الصعبة صاغ الديموغراطية..والسيد الرئيس نظرته بعيدة وشغلتو شغلة"، بل وكثر من المواشي اليوم، يحاربون إلى جانب عصابة الحكم لقتل أمل السوريين وخوفهم من الطوفان، كما فعل جدهم دياب الماشي خلال ثمانينيات القرن الفائت" نزلت مع رجالي خلال الإخوان المسلمين....ندهنا بحياة السيد الرئيس".
إلا أن سوريا، ورغم هؤلاء والتخلي الإقليمي والدولي، لا يمكن أن تكون "جعيفنية الماشي" من جديد، وإن كانت، فالطوفان هذه المرة لن يتوقف عند الرقة وحدود مرور الفرات أو حتى منبعه..بل على الأرجح أن تغمر مياه الطوفان من هندس وخطط وبنى السدود.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية