برجٌ من أنقاض المنازل.. ماهر شرف الدين*

يوم كتبتُ في قصيدةٍ سابقةٍ: "سمّوا الصواريخ بأسماء/ الذين بنوا أبراجهم/ من حجارة بيوتكم المهدَّمة"، كنتُ أقصدُ المجاز، ولم يخطر في بالي أن يقوم أحد هؤلاء، فعلاً، بإقامة احتفال علنيّ لافتتاح برجٍ في إسطنبول!!
فعندي أنَّ المنطق يفترض أن يحاول أمثال هؤلاء الاستتار. ولكنَّ كلَّ مَنْ شاهد فيديو الاحتفال بافتتاح المطعم البرجيّ المسمَّى "إيوان" (5 طوابق بتكلفة ناهزت ملايين الدولارات)، بحضور صاحبه محمد علُّوش القيادي في "جيش الإسلام" وأحد المسؤولين عن تسليم الغوطة الشرقية لنظام الأسد، لا بدَّ أن يُغيّر رأيه.
إنَّ وضع صورتَيْن، أُولى للاحتفال الباذخ وثانية للنازحين الغائصين في وحول الشتاء، بشكلٍ متقابلٍ، يقول الكثير عن انعدام الحياء الذي اتَّصفتْ به مجموعةٌ كاملةٌ شاءت لها أجندات الدول أن تتصدَّر المشهد الثوريّ.
من رأى واجهة المطعم البرجيّ، بعينَيْن سوريتَيْن، لا يمكنه إلا أن يرى الصور الشهيرة لجائعي الغوطة الشرقية وقد تراءت على زجاج الواجهة.
بل لا يمكنه إلا أن يرى أشباح الأطفال، الذين طالما تناقلت وكالات الأنباء صورَ ضلوعهم التي برزت بسبب الجوع، وهي تطوف مع صواني الضيافة التي تهافت عليها حشدٌ من السوريين لا أظنُّهم يزيدون صاحبَ المطعم بنسبة الحياء.
ربَّما كان التظاهر ضدَّ هذه المصالح التجارية أَوْلى من التظاهر ضدَّ حفلات مطربي النظام. وربَّما كان تخريب احتفال "إيوان" في تركيا عملاً أعمق وأجدى من تخريب حفلة علي الديك في ألمانيا. فالرسالة إلى خونة الثورة وتجَّارها باتت أكثر إلحاحاً من الرسالة إلى شبّيح هنا وشبّيح هناك، طالما أنَّ التخريب الذي طال الثورة من داخلها أكبر وأخطر بكثير من التخريب الذي طالها من خارجها.
إنَّ خمسة طوابق بُنيتْ من أنقاض المنازل، وصوانيَ ومناسفَ تعرَّمتْ من مجاعات الناس، ومناطقَ بأكملها تمَّ بيعها ليُفتتح بثمنها مصالح تجارية... لهي أمورٌ لا يسكت عنها إلا شريك أو متواطئ.
*شاعر وكاتب سوري - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية