عاش الناشط "هارون الأسود" تجربة لجوء مريرة تعرض خلالها للاعتقال والضرب المبرح من قبل حرس الحدود اليوناني بعد أن أُلقي القبض عليه في مدينة "أكساسي" قبل أن يعيدوه إلى تركيا، حيث يعيش الآن متخفياً لا يجرؤ على الخروج من منزله خشية ترحيله إلى سوريا بسبب عدم إمكانية حصوله على أوراق حماية قانونية "كيملك".
وكان الأسود ناشطاً في تنسيقية الثورة السورية بحي "الميدان" بداية العام 2011 قبل أن يتم اعتقاله واقتياده إلى (فرع الأمن العسكري 235)، وبعد أن أمضى عاماً كاملاً تم عرضه على محكمة الإرهاب، وأفرج عنه عبر وسيط يعمل لصالح النظام مقابل مبالغ مادية كبيرة بشرط العودة إلى المحكمة عند الاستدعاء، لكنه تمكن من الخروج إلى مناطق الثوار بريف دمشق عام 2013، ثم هجر إلى محافظة إدلب شمال سوريا عام 2016، قبل أن ينتقل إلى تركيا -كما يروي لـ"زمان الوصل"- وهناك تنقل في عدة ولايات ومنها "كوجالي" القريبة من اسطنبول و"مانيسيا" الملاصقة لـ"أزمير" و"إسطنبول" للحصول على بطاقة "الكملك" دون جدوى.
ولأن الحياة في تركيا دون أوراق قانونية شبه مستحيلة قرر "الأسود" الخروج إلى اليونان، ولأن تكلفة الطرق البحرية مرتفعة جداً تصل إلى حوالي 4000 دولار اختار السفر براً.
وروى الناشط الشاب انه اضطر إلى إيقاف معظم حساباته وإخفاء هاتفه بناء على نصيحة الوسيط خوفاً من سرقته من قبل قطاع الطرق، وبعد مسير أكثر من 10 أيام من القرى المحيطة بمنطقة "أدرنة" التركية إلى مدينة "كسانثي" اليونانية، وهي المنطقة التي يستقل فيها اللاجئون الحافلات إلى مدينة "سالونيك" التي لا تعيد اللاجئين إلى تركيا ألقي القبض عليه داخل الحافلة قبل ثلاث دقائق من سيرها، وتم وضع القيود في يديه، وبعد نصف ساعة من مكوثه في المحطة جاءت دورية لتقتاده إلى مركز الشرطة داخل مدينة "كسانثي"، وتم وضعه في غرفة الاحتجاز بعد مصادرة جواله، وبعد ساعات قليلة باتت الغرفة تحوي 9 أشخاص.
ومضى محدثنا سارداً تفاصيل اعتقاله إذ تم نقله ومن معه بعد ساعات في سيارة مغلقة بإحكام لا تتيح رؤية الشارع أو المكان، وبعد ساعتين وصلت السيارة وتم إنزالهم إلى ساحة حولها سياج وقضبان ومن ثم اقتيادهم إلى السجن الذي كان مكتظاً بالمحتجزين من مختلف الجنسيات من أفغان وباكستانيين وبنغاليين.
وعرف "الأسود" من نزيل جزائري أنهم في كامب مغلق قريب من الحدود التركية تشرف عليه قوات من الكوموندز الأوروبي، ولدى هذه القوات -كما يقول- عشرات نقاط التفتيش والكمائن الممتدة من الحدود اليونانية التركية وحتى مدينة "سالونيك" ومهمتهم وقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا وضرب اللاجئين بالهراوات بقسوة لكي لا يفكروا بعبور اليونان مرة ثانية، ومن ثم إعادة هؤلاء اللاجئين إلى تركيا عبر نهر "إيفروس"، وهو ما حصل مع اللاجىء الشاب الذي أمضى عدة أيام داخل الكامب ليتم نقله ومن معه على متن شاحنات عسكرية بعد أن نالوا نصيبهم من الضرب والإهانات على يد حراس الكامب.
*بمحاذاة نهر أفروس:
بعد أن سارت السيارة باتجاه نهر "أفروس" الفاصل بين اليونان وتركيا تم إنزالهم في آخر مكان يمكن أن تجتازه السيارة في الطرق الترابية.
وروى "هارون" أن النهر يومها كان هائجاً بسبب العواصف، ما دعا عناصر الكوماندوز إلى تحميلهم على دفعات ومع كل دفعة عنصران يسوقان البلم المطاطي نحو الأراضي التركية عبر شدّه بحبل ممدود على ضفتي النهر، ولدى وصوله الى الأراضي البرية كان على "هارون" وبعض اللاجئين الآخرين -كما يقول- أن يتواروا عن أعين الجندرمة التركية لأن الوقوع في قبضتهم يعني الاحتجار لعدة أيام أو أشهر وربما الترحيل إلى سوريا.
وساعدهم في النجاة أن السماء كانت تمطر والجو كان ملبداً بالغيوم ويسود الظلام المكان، وحاولوا الهروب نحو أضواء القرى التركية البعيدة، فأصيب -كما يقول- بنزلة برد وآلام شديدة في مفاصله، وبعد نصف ساعة وصل "هارون"، ومن معه إلى تجمع لعشرات اللاجئين ومعهم عناصر من الجندرمة وتم جمعهم وإصعادهم إلى حافلة توجهت بهم إلى قطعة عسكرية، وهناك لم يكن الوضع أفضل حالاً من الكامب اليوناني، إذ كان المكان –حسب محدثنا- أشبه بسجن القابون للشرطة العسكرية من كثرة الازدحام، وكان مكان الاحتجاز عبارة عن غرفتين واحدة للعوائل والثانية للشباب وتفتقران للتدفئة أو الطعام، فيما تملأ القذارة دورات المياه التي كانت مصدر مياه الشرب يشرب منها العوائل والأطفال والشباب، أما الطعام الذي كان يقتصر على وجبة واحدة فلم يتعدَّ قطعة خبز الصغيرة و وزجاجة ماء وقطعة بسكويت.
*العودة إلى تركيا
عندما انبلج الصبح فوجىء "هارون" بأن خيم الكامب مكتوب عليها عبارة UN Refugee Agency ولكنها تحت إدارة وإشراف الجيش التركي دون وجود أي عنصر من الأمم المتحدة داخل أو على بوابة الكامب، ولم تكن الشمس -حسب قوله- تدخل هذا السجن المفتوح، وكان يرى عدداً من الجراء الصغيرة تلعب تحت أشعة الشمس خارجه مستمتعة بدفئها وذات مرة قال له صديق محتجز من درعا "ليك الكلاب عايشه أحسن مننا".
بعد أيام من الاحتجاز المذل اقتيد اللاجئ الشاب ورفاقه بباصات إلى مركز إداري تابع للجندرما يبعد عن القطعة العسكرية حوالي الساعتين، وهناك تم أخذ بياناتهم الشخصية وتبصيمهم، وكان من حسن حظهم -كما يقول- أن إجراءات المنطقة الآمنة تعطلت، ولم يعد بالإمكان ترحيلهم إلى سوريا فأعطوا إذن سفر مفتوح لمدة 3 أيام دون ورقة طرد، وتم نقلهم بالباصات مساء اليوم التالي إلى كراج أدرنة.
ويعيش الشاب الثلاثيني بعد رحلة معاناته الطويلة متخفياً في إحدى ضواحي اسطنبول لا يجرؤ على الخروج أو تأمين حاجاته خوفاً من الاعتقال والترحيل إلى سوريا، وخصوصاً أنه -كما يقول- أنه مطلوب للاستخبارات العسكرية ومحكمة الإرهاب والمحكمة الميدانية العسكرية والمرتبطة بصيدنايا وعلى عداء مع الفصائل الإسلامية في سوريا بسبب نشاطه الإعلامي السابق.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية