ربما، أو على الأرجح، لم يفرح السوريون على ضفة المعارضة، منذ مطلع ثورتهم منتصف آذار/مارس 2011، كما فرحوا أمس، بعد سماع خبر مقتل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني. لتعج وسائل التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية المعارضة أو التي تدور في فلكها، بالأخبار والقصائد والنكات والتشفي، ووصل صدى حالات التعبير عن الفرح، وأكل وضيافة البقلاوة، السوريين بالشتات، بل إلى قطاع غزة الفلسطيني.
فمن هو قاسم سليماني أولا؟
اللواء قاسم سليماني، من مواليد آذار 1957 قرية "قَنات مَلِك" من توابع مدينة "رابر" بمحافظة "كرمان" في إيران، لم يكمل تعليمه العالي، إذ انضم بعد الثانوية، وهو في الثانية والعشرين من عمره إلى الحرس الثوري الإيراني، وبدأ منذ ذاك، مطلع الحرب العراقية الإيرانية، العمل الميداني العسكري، ليلمع نجمه ويصل عام 1988 لمنصب قائد حرس الثورة الإسلامية في مدينته "كرمان"، ومن ثم خلفاً لأحمد وحيدي، كقائد لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني.
بالتوازي مع ثورات الربيع العربي وإيلاء مهام خارجية لسليماني، تم ترفيعه إلى رتبة لواء، ليتولى ممن رفعه "علي خامنئي" مسؤولية السياسة الخارجية في لبنان وأفغانستان والعراق، بل ويشرف على تعيين السفراء والمبعوثين الإيرانيين بالخارج، ليدير، بشكل أو بآخر، المشروع الفارسي خارج إيران وبالعالم بأسره، وإن تجلى دوره الأبرز، في العراق وسورية.
ويذهب البعض إلى أنه من يملي على الأمين العام لحزب الله اللبناني نصر الله، ويعتبر المحرك العسكري للميليشيا اللبنانية، بجناحيها السياسي والعسكري، وخاصة بعد مقتل عماد مغنية في سورية عام 2008، والذي كان يراه كثيرون، حتى ضمن حزب الله، الزعيم الحقيقي لميليشيا حزب الله.
أين قتل قاسم سليماني؟!
ربما للمكان الذي قُتل فيه سليماني، دلالات مهمة، ليس على توليه ملفات إقليمية فقط، بل ومؤشرات على ولوغ إيران وتدخلها بالدول المجاورة.
ففجر الجمعة 3/1/2020 تم قتل قاسم سليماني "وآخرين" في مطار بغداد الدولي، قادماً من لبنان التي ذهب إليها من سوريا، عبر صواريخ قذفتها طائرة أباتشي أمريكية على مركبتين قرب صالة الشحن، كانتا في طريقهما من المطار باتجاه مدينة بغداد.
لماذا الخاتم دليل على جثة سليماني؟!
بعيداً عمن سبق بنقل نبأ مقتل سليماني، والذي تخصص به التلفزيون العراقي والتلفزات الدائرة في فلك إيران، كقناة الميادين اللبنانية، تم البت أن الجثة لسليماني عبر خاتم العقيق اليماني الشهير الذي يلبسه سليماني بيده اليمنى والذي يؤثر إظهاره خلال معظم صوره، سواء أثناء الخطب والجولات الميدانية، أو حتى خلال صلاته.
ولتخَتُّم الرجال بالفضّة والأحجار الكريمة، سواء بالإصبع الخنصر أو البنصر، أو كلاهما معاً، من العادات المتوارثة لدى الشيعة، ومن المظاهر على إيمان من يتزيّن بها.
وثمة اعتقادات لدى الشيعة، أن الخواتم ذات أحجار الفيروز تتعلق بالظفر والنجاح والسفر، والعقيق بالحماية والورع، والحديد الصيني بالقوة ويلبس في المهمات والمعارك.
لماذا أعلنت واشنطن مقتل سليماني وتغنت بالعملية؟!
كثيرة، أو لا تحصى، عمليات الاغتيال والتصفية التي قامت بها الولايات المتحدة، أو أوعزت للقيام بها، لكن الإعلان والتبني، تكاد تكون محدودة، ففي حين تبقى ألغازاً وتأويلات كثيرة حول مقتل قادة وزعماء وأعضاء بتنظيمات وأحزاب، تأتي حالات قليلة تتبناها الولايات المتحدة، كمقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في باكستان 2011 وزعيم تنظيم الدولة "داعش" في سوريا 2019.
وبعيداً عن استثمار مقتل هؤلاء سياسياً، دولياً وداخلياً أمريكيا، وما تنعكس تلك التصفيات على شعبية الرئيس وربما تجديد انتخابه لولاية ثانية، يأتي الإعلان كتتمة للقناع الذي تلبسه الولايات المتحدة في مكافحتها للإرهاب ومحاولات تحقيق الحرية للشعوب.
في حين يذهب كثيرون للتساؤل، إن كانت واشنطن قادرة على مقتل سليماني فجراً وضمن مبنى وبعملية تنقل سرية، ألا يمكنها قتله خلال وجوده العلاني بحلب أو تنقله المكشوف بين دول المنطقة..وكذا لجهة البغدادي التي قتلته بمنزل مموه في قرية "باريش" السورية القريبة من تركيا، في حين لم تقتله وهو "باق ويتمدد" بالرقة وخلال المعارك والتنقل المكشوف.
الأرجح، أنها تستطيع وببساطة، ولكنها لا تريد قبل إتمام كل ما يوكل لهؤلاء، من أدوار وظيفية وتخريبية، تتيح مما تتيح، دخول واشنطن كمخلص ومحقق وداعم للاعتدال والحريات.
كما لكل رئيس أمريكي، أو حتى حزب "ديمقراطي كان أم جمهوري" خطط وآلية تعاط، فإن لم تختلف لجهة الاستراتيجية الأمريكية العامة، فلا شك، تختلف لجهة التكتيك والتنفيذ، وترامب وما يفعله من استقواء وفرض سياسة القوي والفوائد للولايات المتحدة، يختلف عن المتلاعب بدبلوماسية باراك أوباما على سبيل المثال.
لماذا لم تقتل بشار الأسد مثلاً؟ طبيعي، كما أسلفنا، أن لكل شخص بهذا العالم، دورا وظيفيا ومهام، وليس بمصلحة أي طرف، التخلص من شخص، لا يتعارض بمهامه معه، بل يخدمه ويحقق له ما يحلم ويرسم ويخطط، فلماذا تقتل واشنطن بشار الأسد؟! كما ليس من السهل، سياسياً ودبلوماسياً أن تقدم دولة، حتى الولايات المتحدة، على قتل أي رئيس معترف به بالأمم المتحدة، دون أن يخضع لمحاكمة ويتم تجريمه، ولعل بمؤامرة تسليم وإعدام الرئيس العراقي، دليل على ذلك.
إذ من الناحية العملية، يمكن لواشنطن وبمنتهى البساطة، عبر ما تمتلك من تقنيات وما تخترق عبر المخابرات والجواسيس، أن تقتل الأسد ونصر الله، ولكن، على الأرجح، لم يزل لهؤلاء أدوار وظيفية مفيدة لواشنطن وإسرائيل خاصة، وحياتهم وما يبثونه من فرقة وتمزيق، مفيدة أكثر من قتلهم والبحث عمن يشابههم ليتابعوا الأدوار.
لماذا كل هذا الفرح السوري بمقتل سليماني؟!
لم تكن كلمة سليماني أمام مجلس الخبراء عام 2013 "سوريا هي خط الدفاع الأول للمقاومة، وهذه حقيقة لا تقبل الشك" هي بداية ضلوعه بالحدث السوري، بل منذ مطلع ثورة السوريين عام 2011، كان قائد فيلق القدس، يسافر سراً وعلانية إلى دمشق، وكان يدير معركة بقاء بشار الأسد على كرسي أبيه، بنفسه.
ولعل دخول وإدخال ميليشيات حزب الله اللبناني ومن ثم الميليشيات الطائفية العراقية، بأمره وإشرافه، أدلة يذكرها السوريون ولا تحتاج عناء الإثبات.
وأما وجوده الميداني خلال معارك حلب والتقاطه الصور حتى أمام القلعة، فتلك للذي يشكك بدور سليماني، ليس العسكري فقط، بل وبالسياسي والاقتصادي، إذ ينسب إلى قاسم سليماني الدور الأهم، في تسهيل نقل كل ما يحتاجه الأسد، عبر العراق، من جنود وعتاد ومنتجات بقاء.
ولم يك هذا الدور خافيا، حتى على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إذ تم إدراج اسمه ضمن عقوبات واشنطن منذ مايو/أيار 2011 بتهمة دعم نظام الأسد وكذا أدرجه الاتحاد الأوروبي ضمن عقوباته في أغسطس/آب عام 2012 للسبب ذاته.
ويعلم السوريون ورأوا وخبروا، أن لسليماني، الدور الأبرز بتعويم الدم، سواء خلال معارك القصير 2013 أو خلال معارك اللاذقية التي أشرف عليها شخصيا وحصار الزبداني وتمويت أهلها جوعاً عامي 2015 و2016، وما شهدته تلك الحقبة، من تهجير وتغيير ديموغرافي، وصولاً لسقوط أو تسليم حلب، وقيادة سليماني المعارك الميداني نهاية عام 2016، بل وما بعدها خلال معارك الإبادة، خاصة الأخيرة في إدلب وريفي حماة وحلب.
وأيضاً، لأن إيران ممثلة بسليماني، أول وأهم من ساهم بقتل حلم السوريين، عبر التدخل وعلى جميع الصعد، لتحمي الأسد وتطيّف الثورة وتوغل بقتل السوريين على خلفيات توسعية تلبسها حلة مذهبية شيعية...أوبعد كل هذه الأسباب، لم يبرر فرح السوريين.
ولماذا لم يفرح الآخرون؟!
كما بدأنا، أحدث مقتل سليماني، انقساماً بين السوريين، من هم على ضفة المعارضة الذين رأوا فيه عدواً قد لا يقل عن الأسد نفسه، وبين سوريين رأوا فيه مناضلاً ومؤيداً لـ"السيد الرئيس".
وتوسعت دائرة الانقسام، لتحدث مفاجأة لكل مراقب متوازن أو يدعي التوازن، إذ لا أسباب تدعو أحزاب اليسار، اللبنانية خاصة، لتنعي وتتعاطف مع "واحد" إسلاموي متطرف يدعو لولاية الفقيه عبر فكر نكوصي وحكم ثيوقراطي، لا يتناسب ولا بأي شكل، مع مبادئ وأفكار الرفاق اليساريين.
وتتابعت المفاجأة لتنعي حركتا الجهاد الإسلامي وحماس سليماني، وتقيما له بيوت عزاء، ويصل صدى اللطم، إلى تلفزات عربية وإلى أبواب "الكرملن" بموسكو.
هنا، ربما القياس بالمسطرة ذاتها، على هؤلاء الحزانى، خطأ جسيم، فمنهم من حزن لأنه فقد التمويل أو يظن ذلك، وآخر تظاهر بالحزن لأنه يرى بسليماني محرر القدس والطارد المستقبلي لإسرائيل، وثالث ورابع وخامس ربما "ليس حبا بعلي، بقدر ما هو كرهٌ بمعاوية".
هل سيوجع مقتل سليماني إيران ويحد من تطلعاتها التوسعية الفارسية؟!
أعتقد الإجابة على هذا السؤال، نعم ولا بآن.
نعم، لأن مقتل سليماني الذي أوكل له العلاقات الإيرانية الخارجية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط لما فيه مصالح إيران على حامل الدين، بل وصل للخليج واخترق اليمن والبحرين والأرض الفلسطينية المحتلة، وكوّن عبر عشر سنوات، علاقات وتحالفات، ليس من السهل على غيره القيام به.
ولا لن يؤثر، لأن الحلم الفارسي مبني على حالة مؤسسية، فإن تأثر لخسارة "قائد" لن يفقد الحلم ويجلس ملوماً محسورة، وها هو ما يسمى مرشد الثورة علي خامنئي، وبعد ساعات فقط على مقتل سليماني، يعلن تعيين نائبه، العميد إسماعيل قآني خلفا له، وهو المعروف بقيادة العمليات خارج إيران، أفغانستان وباكستان وحتى سوريا، بل ولا يقل دموية وتشدداً عن سليماني لدرجة أنه يوصف بظل سليماني الأكثر تشدداً نهاية القول.
والسؤال الأخير: بعد سكرة أو فرحة مقتل سليماني، رأينا الآلاف المؤلفة تشّيعه إلى جانب من قضوا، في حالة كستها "الروحانية" فأن نرى ونسمع ونقرأ "تشييع الشهيد من مطار المثنى باتجاه الكاظمية المقدسة "خطان تحت مقدسة" من ثم إلى ساحة الحسين "خطان تحت الحسين" فبذلك دلائل على استمرار إيران بلعبة التغييب ذاتها وعبر الأدوات نفسها، بعد مقتل سفير الامبراطورية الجوّال.
وأن تسرّب طهران، أن وصية سليماني قالت "زوجتي لقد حددت مكان قبري في مقبرة الشهداء في كرمان، ابني محمود يعرف ذلك، فليكن قبري بسيطا كقبور أصدقائي الشهداء، وليكتب عليه الجندي قاسم سليماني وليس أي كليشيهات أخرى" فأيضاً بذلك إعطاء سليماني بعداً إنسانياً ومكانة روحية، لا يستبعد أن يغدو قبره، محجاً لكل من تريد طهران شحذ هممهم، لمتابعة تنفيذ حلمها التوسعي بالمنطقة برمتها.
وأما السؤال الأهم، وبعد كل ذلك، أين يمكن أن تؤول الأمور بواقع كل هذا التحشيد الطائفي بالمنطقة، وهل بمقتل سليماني ستبدأ مرحلة جديدة تقودها واشنطن لتغيير معالم المعركة والجغرافيا؟!
أخال الإجابة وعلى صعوبتها، يمكن اختصارها بـ"لا" إذ ليس في مصلحة واشنطن كسر إيران، وإن سعت لتقليم أظافرها وإنهاكها اقتصادياً، كما ليس في صالح ومقدور طهران الرد، على مقتل سليماني، إلا عبر بعض الوكلاء والتنظيمات العربية المتشيعة والمغيبة، إذ لم تزل وكالة الولايات المتحدة الحصرية بالمنطقة شاغرة، وإيران حريصة على استلامها هذه الفترة بالذات، بعد تعاظم رشى السعودية وتهافت العروض على تركيا لتغدو بيضة قبان بالمنطقة.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية