النصر ثانياً... ماهر شرف الدين*

جاءت تجربة ما توافقنا على تسميتها بـ"المناطق المحرَّرة" (وهي بالأحرى "المناطق المحرَّرة التي أُعيدَ احتلالها") لتقدّم نموذجاً كارثياً للفوضى والعشوائية والتناحر.
فمنطقة تحكمها تنظيمات دينية متخلّفة يتربَّع على عرشها تنظيمٌ موصومٌ بالإرهاب، ومنطقة تحكمها شراذم فصائل عسكرية نجح التركيُّ في جمعها تحت مُسمَّى "جيش وطني"، بعدما – ويا للعجب - فشلت الثورة في ذلك!
وفي خضمّ هذه المفارقات المأساوية، ما زال هناك من يتساءل عن "النصر" وأسباب تأخُّره! غافلاً أو متغافلاً عن أنَّ للنصر مفتاحاً واحداً هو النجاح بإنتاج بديل يمنح الثقة بقدرته على الحلول مكان الذي نريد إسقاطه.
إنَّ عاقلاً رأى ما حصل ويحصل في "المحرَّر" من فشلٍ –يُضاهي الخيانة- في بلورة قيادة وطنية واحدة، متماسكة وفعَّالة وإنْ في حدودها الدنيا، لا يمكنه الوثوق بكلّ ما يصدر من وعودٍ مستقبليةٍ حول شكل الدولة المقبلة، ما دام الحاضر يستعرض كوارثه على مرأى منه.
فإذا كان عنوانٌ مثل عنوان "الدولة المدنية"، والذي يجب أن يكون بديهياً بحكم النتائج الحاسمة للتجربة الحضارية الإنسانية الحديثة، ما يزال موضع خلاف كبير! فكيف سيكون الحال، إذاً، عند الانتقال إلى نقاش عناوين أكثر تعقيداً؟!
إلى اليوم، لا تسأل فرداً من جمهور الثورة عن هدفها إلا وأجابكَ بالعبارة العمومية الأشهر التي تحوَّلت لكثرة تكرارها إلى كليشيه: "إسقاط النظام". أما سوى ذلك فليس هناك ما يجمع هذا الجمهور. وكأنَّ إسقاط النظام ليس سوى عملية هدمٍ لا ترافقها أي عملية بناء لما هُدِم ولما سيتمُّ هدمه!
لقد قلناها قبل سنوات، ونُعيدها، بأنَّ النصر ليس جغرافيا، وليس مساحات عقارية، وليس ألواناً، تمتدُّ وتتقلَّص، على الخريطة. فالثورة السورية عاشت أعظم انتصاراتها حين لم يكن في جعبتها رصاصةٌ واحدةٌ، وحين لم تكن تملك من البلاد إلا بعض الساحات وبعض الأزقَّة وبعض اللافتات وعَلَماً تحمل نجومه الحمراء عيّنةً من دماء شهدائه.
إنَّ النصر – حتى في تلخيصه السوري الشعبي "إسقاط النظام" – لا يمكن إلا أن يكون مشروطاً بشرط إنتاج البديل. وتجربة "المحرَّر" برهانٌ ساطع على أنَّ طرد النظام من منطقة لا يعني تحريرها، طالما أنَّ الذين ورثوا سلطات النظام في تلك المنطقة استعملوا الأدوات ذاتها والقمع ذاته والعقلية ذاتها.
إنَّ النصر في ظلّ تجاهل مسألة إنتاج البديل ليس سوى خرافة من الخرافات نضحك بها على أنفسنا، تماماً مثلما فعلنا حين قبلنا إطلاق تسمية "المحرَّر" على منطقة تخضع لسلطة من هو على مثال الجولاني.
***
إسقاط النظام يجب أن يكون عملية بناء موازية لعملية الهدم.
والنصر، يا أهلي وإخوتي وعزوتي، لا يكون أوَّلاً، بل ثانياً.
*شاعر وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية