فتى نحيل في السادسة عشرة بدأ بعض الزغب يظهر على وجهه وشارباه لم يخطّا بعد... هو "المتفوق" عارف حنوش الذي كرمه السيد رئيس الجمهورية لتفوقه في الشهادة الإعدادية ..وتم توقيفه يوم الثلاثاء 14/2/2007 فجراً مع خمسة أطفال آخرين على خلفية أحداث الشغب في قرية المزرعة... وأطلق سراحه يوم الخميس 30/8/2007 , فيما ينتظر رفاقه إخلاء سبيلهم..
17 يوم تنقل عارف خلالها بين السجون والمحاكم... سبعة أيام منها في مخفر الوعر... تنقلات عرف خلالها ورغم صغر سنه.. الدواليب والشتائم من قبل مسؤول السجن وعناصر الأمن الجنائي ,يومين في السجن المركزي, أربعة أيام في سجن البالونة الشهير في زنزانة طولها مترين وعرضها متر ونصف يزج بها تسعة أطفال بعد تعرية أجسادهم حتى من الثياب الداخلية.. ساعات تنتظرهم للحصول على دور لدخول دورة المياه...لكن عارف يؤكد أن الأيام الأربعة التي قضاها في مدرسة الأحداث كانت أخف وطأة من كل ماسبق , يا سيد مسؤول "نحن بشر ولسنا كلاب" يقول عارف..
الخوف...الخوف..
بدأ الخوف منذ لحظة التوقيف.. عناصر عناصر الأمن الجنائي داهموا البيت الساعة الثالثة والنصف فجراً عند هذا التوقيت ستتوقف ذاكرة الفتى عارف ففيه تم اقتياده مع طفل آخر وثلاثة شبان إلى مخفر الوعر..في الصباح بدأ التحقيق مع أحد الشبان ليعود والدموع تنزل من عينيه على أثر الدولاب فتسرب الخوف إلى قلب عارف ورفاقه في الزنزانة كما يروي وفي اليوم الثالث من التوقيف وبعد دواليب رفاقه في السجن يسرد عارف قصة التعذيب...
كيف كسرت أنف العنصر أثناء أحداث الشغب يصرخ مسؤول السجن (ر.ا)؟ ... لم أكن في القرية ساعة وقوع الأحداث إنما في بيت أقاربي في ادلب.. لم يصدقني...!!! ثلاثة من عناصر الأمن الجنائي يوقعوني أرضاً ويضعوا قدمي في الدولاب يبدؤون الضرب بطريقة غير معقولة ...استمروا قرابة الربع ساعة بضربي... بعدها أخذني العناصر إلى الباحة وأمروني بالركض كي لا يظهر على قدمي أثار الضرب والورم ورشوا أقدامي بالماء بعدها أعادوني إلى النظارة واستمر مشهد التحقيق بشكل يومي...
لو كان ابنك مكاني!!
يتابع عارف، في إحدى المرات عاد أحد الموقوفين ويدعى (خ.أ) وعنده كسر في إصبع قدمه عندها أصابني خوف شديد فمسؤول السجن يريد منا أسماء.. ولم يصدق أنني لم أكن في القرية عندها قلت له بعد أن طلبني مرة أخرى للتحقيق :لا أستطيع أن أقدم لك أسماء أشخاص على أساس أنهم كانوا ضمن المشكلة وأظلمهم...عندها قام مسؤول السجن بإسقاطي على الأرض ووضع قدمه على وجهي وأدخل حذائه بفمي إلى أن خرج الدم من فمي ,وكان لحظتها غاضباً جداً وضربني ضرباً مبرحاً على قدمي وأمر بأن أركض في الباحة لتزول أثار الضرب عن قدمي... وبعد أن ركضت في الباحة أعادوني ليضربوني مرةً ثانيةً وعندما رفعت قدمي في الدولاب تنبه مسؤول السجن لأثار الورم المروعة وللدم النازف من قدمي فأصابه الخوف وبدأ يحاول التخفيف عني بعبارات " يا ابني طول بالك" عندها قلت له سيادة مسؤول السجن في حال كان ابنك في هذا الموقف ألا تحزن لحاله عندها أجابني : "هذا هو الروتين".
إضافة للتعذيب والضرب فإن الشتائم نالت حصتها في هذا الروتين فعند سؤالنا لعارف هل تم توجيه الشتائم إليك قال:
شُتِمتُ كثيراً بعبارات ... ومرةً قلت له: سيادة مسؤول السجن أنا طالب مدرسة أريد أن أدرس وأصبح مثلك فأجابني :"أنت بدك تصير متلي ؟!! يلعن ..؟؟(نعتذر عن إيراد الشتائم لأنها لا تراع الآداب الأخلاقية..!!)..
الأيام السبعة
خلال السبعة أيام كنا في كل لحظة نحسب أنه بعد دقيقة سيطلبنا مسؤول السجن ويضربنا.. كان العناصر يضربون على الباب الحديدي بعد منتصف الليل كي لا نستطيع النوم وفي اليومين الأخيرين لم نستطع النوم أبداً, لم يقدموا لنا لا الطعام ولا الشراب...ولولا أهلنا كنا بقينا بلا أكل وبلا شرب,
خلال وجودنا في مخفر الوعر علمنا أن هناك موقوفين آخرين ومن بينهم فتى اسمه (أ. ط 17 عام ) كان مصاب بكسر في الفك نتيجة أحداث المزرعة وفي المشفى الوطني لم يتم علاجه فبعد أن علموا في المشفى أنه من المصابين بسبب أحداث الشغب تم اقتياده مباشرةً من المشفى إلى المخفر دون علاج
بعد الأيام السبعة في مخفر الوعر تم تحويلنا للسجن المركزي بانتظار تحويلنا للقضاء العسكري وبقينا يومين لم يتم خلالها التحقيق معنا...
زنزانة 2 ضرب 1.5 لتسع أشخاص
تم تحويلنا إلى سجن (البالونة) يوم الخميس 23/8/2007 وهناك كان الذل الأكبر شتائم وضرب ,وتم أمرنا بخلع ثيابنا كاملةً حتى من الثياب الداخلية بانتظار التفتيش بعدها أخذونا إلى زنزانة مترين بمتر ونصف وتم وضع تسعة أحداث بهذه الزنزانة 6 من الموقوفين بقضية المزرعة وثلاثة أحداث آخرين وخلالها تعرض ق.أ (17 سنة ) للضرب بعنف من قبل أحد المساعدين والتهديد بالدولاب وقص الشعر لمجرد كونة مد رأسه من شباك الزنزانة الصغير ليتنشق الهواء.. هذا بالإضافة لأنهم كانوا يحملونا منية أنهم يطعمونا, رغم أن الطعام كان تالف ومنزوع, ودورات المياة متسخة ومقرفة وكانوا يخرجونا اليها جماعياً بالدور وننتظر ساعتين أو ثلاث ليحين دورنا’ أما المياه فمتسخة ,وطعمها سيء لا يمكن شربها,الأرض والبطانيات وكل شيء متسخ ...
خلال أربعة أيام في سجن البالونة كنا ندعي الله بأن يتم تحويلنا إلى أي سجن أخر غير البالونة وكنت أفكر باللحظة التي سيتم خلالها إطلاق سراحي لأعانق والدتي ... اشتقت إليها واشتقت لأبي واشتقت لأخوتي... وخفت أن تذهب علي الدراسة في هذا العام... خاصة أننا لم نحول إلى القضاء والمدرسة اقتربت مواعيدها
بعد أربعة أيام في سجن البالونة تم تحويلنا للقاضي العسكري ثم للقضاء المدني و بقينا في مدرسة الأحداث وأطلق سراحي بعد أربعة أيام والحمد لله خلالها المعاناة أقل بكثير من السجون الأخرى والمعاملة جيدة.
حصيلة..
بعد 17 يوم من العذاب والتنقل بين مخفر وأخر وزنزانة وأخرى أحس أني كبرت 17 عام والخوف يداهمني في كل لحظة من العودة إلى السجن ...أتمنى لرفاقي الذين بقيوا في السجن والذين عشت معهم هذه الفترة القاسية نأكل ونشرب وننام ونتعذب سوياً أن يخرجوا قريباً, ولأصدقائي في المدرسة أتمنى أن لا يذوقوا هذا العذاب وإذا رأوا شخصاً يموت أنصحهم بأن لا يقتربوا منه.!!
في النهاية سألنا عارف هل ستدخل كلية الشرطة يوماً وما هي كلمتك الأخيرة لمسؤول السجن؟!!
أجاب : نعم سأدخلها لأضرب ابن مسؤول السجن ظلماً أو بسبب لأنه ضربنا دون شفقة ولا رحمة,رغم أعمارنا الصغيرة لم يشفق لحالنا.
وكلمتي الأخيرة:"أرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"...نحن بشر ولسنا كلاب
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية