ليست هي المرة الأولى التي يعتدي فيها النظام على ذاكرة السوريين وتاريخهم، ومن الواضح أنه اليوم يستغل انشغال السوريين وتهجير نخبهم ليعود من جديد إلى توزيع ملامح المدينة وأبنيتها على زبائنه وربما يكون بينهم الإيراني الذي طالما كان يقف خلف مسؤولي النظام الصغار ليطالوا من دمشق وألقها. المشروع الجديد الذي بدأ الإعلان عنه بعد أن عقد مؤخراً ما يسمى ملتقى الاستثمار السياحي هو تحويل مقهى "الحجاز" القديم إلى مشروع استثماري تم تعهده حسب ما تردد لمستثمر سوري مقيم في السعودية، وأما تفاصيل المشروع فقد نقلتها جريدة "الوطن" المملوكة لـ"رامي مخلوف" عن مدير الخط الحجازي.
ووفق الصحيفة يقول المدير المذكور إن المشروع يتوضع على العقار 748 من منطقة القنوات وعلى مساحة 5133م2 ويتضمن: (الحجاز ومحطة وقود وبعض المحلات التجارية القديمة)، وأما ما سيتم بناؤه على هذا العقار: (فندق من مستوى خمس نجوم مع مجمع تجاري وخدمي وسياحي، يستثمر وفق نظام (B. O. T) لمدة 45 سنة ومدة تنفيذ المشروع 36 شهراً من تاريخ صدور الرخصة).

أهمية المشروع (نيرفانا) وفق المدير فهي في موقعه الحساس: (وقوعه في وسط دمشق وقربه من جميع الأسواق والمراكز الخدمية والمواقع السياحية في المدينة، حيث يطل على مبنى محطة الحجاز وساحة المرجة وسوق الحميدية وقريب من شارع الصالحية وإلى جانب البريد المركزي وعدد من البنوك). ويتجاوز المدير والصحيفة القيمة التاريخية والثقافية للمكان، ويستطرد في الحديث عن إطلالته ومجاورته لأمكنة تاريخية تشكل الوجه الجميل للعاصمة الأقدم في العالم: (مجاورته للتكية السليمانية وسوق المهن اليدوية والمتحف الوطني وقلعة دمشق والجامع الأموي ومقام السيدة رقية ودمشق القديمة).
أما عن تعرض محطة الحجاز للأذى والتخريب لأنه بناء أثري قديم وتاريخي، فهذا لا يعني أحد من زبانية النظام، فالمشروع بالنسبة لهم لا يعدو كونه مجرد ملايين ستدخل إلى حساباتهم، وإنجازات يعتقدون أنها تجعل النظام راضياً عنهم، وهذا تجاهل أيضاً للقانون الذي لا يعبؤون به والذي يمنع البناء المرتفع بجوار أي مكان أثري وتاريخي، والفندق وفق ما تم ذكره: (تصميم البناء بشكل تدريجي يبدأ من جهة محطة الحجاز على ارتفاع المحطة ويرتفع تصاعدياً باتجاه محطة الوقود ليصل إلى ارتفاع 12 طابقاً، ويتسع الفندق إلى 300 سرير، ونسبة الاستثمار التجاري من البناء الطابقي 20 بالمئة وهناك في الطابق 12 مطعم بانورامي يتسع لألف كرسي).
وسبق هذا الاعتداء الأخير مسح السوق العتيق من الوجود بقرار من محافظ دمشق السابق "بشر الصبان"، وكذلك الاعتداءات التي تتكرر في دمشق القديمة وإعادة استملاك حي "الحمراوي" رغم كل المناشدات من مفكرين وآثاريين وإعلاميين بحجة تهالكه، وإهمال المدينة القديمة لصالح مستثمري المطاعم وتحويل المدينة القديمة إلى مجرد مطعم كبير.
"نيرفانا" الاسم الذي سيطلق على المشروع الجديد، وعلى السوريين في داخل البلاد وخارجها أن يستعدوا لنسيان ما يحملونه في ذاكرتهم القريبة والبعيدة عن عاصمتهم التي يراد تحويلها إلى مدينة بلا ملامح.
عبد الرزاق دياب - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية