أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

جوكر "المنار"... ماهر شرف الدين*

اتهام "حزب الله" لفيلم أميركي شهير (فيلم "جوكر") وبطله (الممثّل آرثر فليك) بالتسبُّب في إشعال المظاهرات بلبنان والعراق يستحقُّ تعليقاً.

***

"تسييس الحراك" الذي حذَّر منه حسن نصرالله، في إطلالاته المتوالية منذ اندلاع الانتفاضة اللبنانية، هو حقيقةً ما سعى (ويسعى) إليه "حزب الله".

فالحراك غير المسيَّس، والذي لا يملك صندوقَ بريدٍ سياسيٍّ، يُقلق الميليشيا التي نجحت بترهيب سياسيي البلاد وأحزابها، ولكنها لا تعرف كيف السبيل إلى ترهيب مئات آلاف المتظاهرين غير الحزبيين، والغاضبين، والذين لا يملكون شيئاً لخسارته، أو حتى لتهديدهم بخسارته.

وما فاقمَ المشكلة بالنسبة إلى زعيم "حزب الله"، هو أنَّ محاولاته المستميتة لنسب الحراك إلى بعض خصوم الحزب السياسيين باءت بالفشل، بعدما سُمعت أصوات المتظاهرين وهي تُسمّي هؤلاء الخصوم، بالاسم، ضمن شعار الانتفاضة اللبنانية الشهير: "كلّن يعني كلّن".

فشلُ "حزب الله" في نسب الحراك الشعبي في لبنان إلى جهة سياسية معيَّنة، وتالياً فشلهُ في التعامل معه، خصوصاً حينما لم تُجدِ نفعاً غزواتُ الدرَّاجين والزعران على تجمُّعات التظاهر... ذلك كلّه دفع هذا الحزب الثيوقراطي الدموي، الذي شارك بفاعلية في قمع الثورة السورية، إلى توسيع أُفق المؤامرة التي ينتسب إليها الحراك، ليجعلها مؤامرةً عالميةً تشترك فيها ليس المخابرات الأميركية فحسب، بل السينما الأميركية أيضاً.

تقول قناة "المنار" في تقريرها إنَّ بطل الفيلم "أثَّر كثيراً على نمط فئةٍ من المتظاهرين في لبنان والعراق بشكل لافت: مشهد إشاعة الفوضى الذي مارسه البعض هو عينه في الفيلم، تصرُّفاتهم التي يمتزج فيها الرقص بالغناء بالتكسير بالصراخ دون خطابٍ واضحٍ، قناع الجوكر الذي رأيناه في التظاهرات، الموسيقى المعتمَدة، الألوان... كلّ شيء تقريباً".

وعلى الرغم من أنَّ الأزمة التي يُعاني منها "حزب الله" في فهمه المستعصي لما يجري من أحداثٍ، خارج نظريات المؤامرة والـمَحاور والاستتباع، إنما هي أزمة عامَّة تعيشها جميع المؤسَّسات والتيَّارات والأحزاب الثيوقراطية الدينية في هذا العصر الفريد، إلا أنَّ خوض هذا الحزب المسلَّح حروباً دموية في إطار "الثورة المضادَّة" يجعل ثمن أزمة الاستعصاء هذه باهظاً جداً.

فقد أُخذت معظم الثورات والانتفاضات العربية رهائنَ لأفكارٍ قديمةٍ ومسلَّحةٍ، ولفهمٍ بائدٍ في تفسير الأحداث تبنَّته جماعات دينية متطرّفة واجهتْ عجزها عن فهم روح العصر بالعنف، وبالمزيد من العنف كلَّما زادت نسبة العجز عن الفهم.

قناع "جوكر" الأميركي الذي يريد "حزب الله" إلباسه للانتفاضتَيْن اللبنانية والعراقية، بهدف شيطنتهما لتبرير الانقضاض عليهما، لن يكون بالتأكيد أكثر فوضويةً ودمويةً من قناع "جوكر" الإيراني الذي ارتداه نصرالله وهو يُهدِّد بإصبعه المتظاهرين قائلاً لهم: "هذا الإصبع اللي بدّو يخاف منّو... يخاف منّو".

ناهيك عن أنَّ متظاهرين كُثُراً في المناطق الفقيرة في لبنان والعراق لم يسمعوا بفيلم "جوكر"، وهم لا يملكون، أصلاً، اشتراكاً في "نتفليكس" لمتابعة الأفلام الغربية الجديدة... بل إنهم بالكاد يملكون ثمن اشتراك شهري لـ"كيبل" يُؤمّن لهم متابعة قناة "المنار" وجوكرها المعمَّم.

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
(276)    هل أعجبتك المقالة (243)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي