في ورشة العمل التي أقامتها هيئة التفاوض المعارضة، للإعلاميين في مدينة غازي عنتاب التركية، وانتهت بالأمس، كان لافتا حجم الشكوى والتذمر من سلوك رئيس الهيئة، نصر الحريري، الذي لا يرد على هاتفه أبدا، ويكلف شخصا اسمه "وضاح" للرد نيابة عنه، والذي بدوره يخبرك أنه سيبلغ السيد نصر، ويرد عليك بعد قليل..وأنت من جهتك تصدق أنه سيتصل بك بعد قليل، فتنتظر ساعة وساعتين، يوم ويومين، دون أن يتصل بك أحد.
الصحفيون، قالوا إنهم لم يعتادوا على هذا النوع من التعامل .. وحتى في دولة الأسد الأمنية والبوليسية، لم يكن بوسع المسؤول، مهما علت مرتبته، أن يتجاهل اتصال الصحفي وطلبه، متسائلين: "طيب فهمنا أن السيد نصر لديه مشاغل كثيرة، فماذا عن الأخ وضاح..ما هو وجعه.. لماذا لا يكلف نفسه، ويبين عذر "سيده" على الأقل..؟" أما المسؤولون في المعارضة، فهم دائما يحاولون تبرير سلوك نصر الحريري، بكثرة مشاغله ومواعيده، وبأنهم مثلهم مثل غيرهم، لا بد أن يمر اتصالهم به، بمرحلة وضاح..حتى أنهم أكدوا أنه لا يملك رقما آخر سوى الذي يرد عليه وضاح.. وهنا تساءل البعض ساخرين: معقول..؟! وكيف إذا أراد أن يتصل به "بيدرسون" مثلا، أو مسؤولو الدول الغربية والعربية.. هل وضاح أيضا هو من يرد عليهم.؟ هذه المسافة التي يتركها السيد نصر الحريري بينه وبين الآخرين، يستطيع المراقب أن يملأها بالكثير من الحكايات والأقاويل، سيما وأن هناك أقاويل سابقة تتحدث عن أنه يعتبر نفسه، أي نصر، بأن ما وصل إليه على سلم المعارضة، يعود الفضل فيه إلى نشاطه الشخصي بالدرجة الأولى، و"محبة" الدول الكبرى والداعمة له بالدرجة الثانية، وبالتالي ليس للثورة والمعارضة أي دور حقيقي في اختياره.. بل إن الكثيرين فوجئوا به، يتبوأ منصبا كبيرا في الائتلاف في العام 2013، دون أن يكون له أي تاريخ في الثورة أو المعارضة، أو حتى موقف بارز تجاه نظام الأسد، كأن يكون قد انشق من منصب وظيفي كبير، أو أنه كان متظاهرا وتعرض للسجن والاعتقال، أو طبيبا عالج الجرحى وتحدى النظام، ثم تعرض للملاحقة والتهديد، أو كاتبا ومفكرا ومنظرا في الديمقراطية والدولة المدنية وممن يقارعون نظام الاستبداد بهذه الأفكار .. كل ما في تاريخه أنه غادر عيادته مع مطلع الثورة إلى خارج البلاد، مثله مثل أي مواطن شعر بالخوف على حياته، أو أنه أحس أن العيشة في البلد لم تعد تطاق.
أما وجهة نظري التي سأقولها أخيرا، وهي بالتأكيد لا تنقص من قيمة نصر ودوره ، أو غيره من المعارضين الذين يقبعون في الواجهة اليوم..هي أن الدول الراعية والداعمة للثورة، سعت كل جهدها لأن يتولى أغلب المناصب في المعارضة، بدءا من الإعلام وانتهاء بالعمل الإغاثي والسياسي والعسكري، أشخاص غير محترفين، وليسوا ذي خبرة وباع طويل في المواقع التي يعملون بها .. وقد رأينا نتائج ذلك سريعا، من خلال تراجع الثورة والمعارضة بكافة مؤسساتها منذ العام 2015.. والأخطر من ذلك هو موقف الثوار أنفسهم، الذين أخذوا يلعنون الساعة التي قاموا بها بالثورة .. فماذا تريد الدول الكبرى أكثر من ذلك لكي تعيد إنتاج بشار الأسد ونظامه..؟ هذا ما يبدو من القصة للأسف .. وقد تستغربون أن انعكاسها هو تلفون نصر الحريري، ووضاح الذي يتولى الرد عليه، نيابة عنه...
تلفون نصر الحريري... فؤاد عبد العزيز*

*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية