أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الأخلاق الثورية... ماهر شرف الدين*

المظلومية تتكفَّل الابتداء، لكن الأخلاق الثورية تتكفَّل الاستمرار

تشيع مفردة "الأخلاق" حين يكون الحديث عن الثورة. غالباً في سياق المفاخرة بين "أخلاقنا" و"أخلاقهم"، ونادراً في سياق النقد والتصحيح.

تُستعمل "الأخلاق" بهذا المعنى كسلاحِ مفاضلةٍ بيننا وبين الخصم. ولطول أمد استعمالها بهذه الطريقة، تضمحلُّ قدرتُها في الحفاظ على ذاتها كقيمةٍ مستقلَّةٍ، لتتحوَّل إلى مجرَّد أداة لتسجيل النقاط. تُمسَخ وتُرمى من شاهق.

تتربَّص "الأخلاق"، في سياقها المبتذل هذا، بأخطاء الخصم، من دون الاكتراث بأخطاء أصحابها. تكفُّ عن كونها ذات حدَّيْن. تقتصر على حدٍّ واحدٍ. فيغدو أصحابُها جِمالاً ترى كلَّ سنامٍ إلا سنامها.

إنَّ إهمال الجانب الأخلاقي في الصراع من طبع المستبدّ. وإذا قلَّده الثائر في ذلك تتحوَّل الثورة إلى مجرَّد احتراب على السلطة أو مجرَّد احتراب للانتقام.

لا يمكن أن يتساوى الثائر والمستبدّ أخلاقياً. وحين يتساويان لا تكون صفة "الثائر" مستحقَّةً لمن يحملها.

المنطلق الأخلاقي للثائر، وحدَه، هو الكفيل بمنح المشروعية للأهداف التي يُضمرها، أو يُعلنها. أمَّا المظلومية، لوحدها، فلا تكفي.

إنَّ المظلومية تتكفَّل الابتداء، لكنَّ الأخلاق الثورية تتكفَّل الاستمرار.

فما يجعل الثائر ثائراً، وما يحمي الثورة من أن تكون محضَ صراعٍ سلطويّ وفوضى دموية، هو الأخلاق الثورية. ولا يجدر بهذه الأخلاق أن تحمل طبع الانتقام والتشفّي. لا يجدر بها أن تصبح أسيرة الغرائز بحجَّة أنَّ الخصم كان السبَّاق إلى ذلك.

إنما هي أخلاقٌ ثوريةٌ لأنها قادرة على عدم التشبُّه بالخصم. قادرة على مقاومة "إغراء" الانزلاق نحو "الأسهل". بمعنى أنها بالقدر ذاته الذي تُبعد فيه الثائر عن أن يكون مستبدَّاً، تُبعده فيه أيضاً عن أن يكون فوضوياً.

لكنَّ الاستعصاء المجتمعي الحاصل في بلادنا اليوم، والذي ألقى بظلاله على سائر القيم، يبدو بأنه أثَّر، أيضاً، على منظورنا للأخلاق الثورية.

فالأرجح أنَّ استعصاءً ما، موازياً، قد ضربَ فهمنا للأخلاقيات التي يجب أن يكون عليها الثائر. لذلك صار التبرير لكلّ المخازي المرتكبة باسم الثورة أسلوباً سائداً، حتى صار الحديث عن "الأخلاق الثورية" موضع تبرُّم لدى شريحة واسعة باتت تعتقد بأنَّ تبدُّل طبيعة الصراع، من ثورةٍ للتغيير إلى حربِ حياةٍ أو موتٍ، يفرض تبدُّلاً في طبيعة فهمنا لشتَّى المسائل، وعلى رأسها مسألة "الأخلاق الثورية".

وهذا لا يمسخ جوهر الثورة فحسب، بل يمسخ "الثائر" مستبدَّاً فوضوياً، أيضاً ودون إمكانٍ للتراجع.

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
(534)    هل أعجبتك المقالة (442)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي