أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

شرق الفرات.. قضي الأمر..!*

من تابع تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، منذ أكثر من شهر، وهو يتهم الأمريكان بالمماطلة في تنفيذ اتفاق المنطقة الآمنة في شمال سوريا، وبأن قواته ستقوم بالمهمة منفردة، لأن صبره نفد، لا بد أن يكون قد أدرك بأن الأمريكي استخدم هذه السياسة "الممانعة"، من أجل أن يقول لحلفائه من الفصائل الكردية، بأنه فعل ما بوسعه من أجل منع هجوم تركي عليهم، لكن الأتراك، على ما يبدو، مصرون، وها هو لن يشارك بمثل هذا الهجوم، وذلك بحسب البيان الذي صدر فجر اليوم عن البيت الأبيض.

لو أردنا أن نمسك القصة من بدايتها ومنذ بدأت تركيا، تطالب بشكل جدي بتأسيس منطقة آمنة في شمال سوريا، قبل عدة أشهر، بدعوى أنها لا تستطيع أن تتحمل وجود تنظيمات إرهابية بالقرب من حدودها، وتقصد قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، والهدف الثاني الذي أعلنته، هو إعادة عدد كبير من اللاجئين السوريين على أراضيها إلى تلك المنطقة، بعدما هددت مرارا بفتح الباب لهم للعبور إلى أوروبا، في محاولة، للضغط على المجتمع الدولي، لتأييد هذه تأسيس هذه المنطقة.

الكثير من المحللين، ذهب أمام هذه التصريحات التركية، للقول بأن تركيا تنوي اقتطاع جزء من الأراضي السورية، وضمها إليها، وهي المسماة بالمنطقة الآمنة، على طول الحدود السورية الشمالية، وبعمق بين 30 إلى 40 كيلو مترا.

لكن الواقع لا يشير إلى عزم تركيا تماما، للقيام يهذا الاستيلاء، وإنما هي بالفعل تخطط لترحيل السوريين على أراضيها إلى تلك المنطقة، مع دفع الأكراد إلى داخل الأراضي السورية، بحيث تفصل بينهم وبين الأكراد على أراضيها، بسكان جدد من العرب السوريين أو حتى من التركمان السوريين.. أي باختصار، تركيا تخطط لعمليات تغيير ديموغرافي على طول حدودها الشمالية مع سوريا، مع ضمان سيطرتها على تلك المنطقة، بحيث لا يعود الأكراد إليها من جديد، وبنفس الوقت تمنع سيطرة نظام الأسد عليها، لأن تجربتها معه غير سارة في هذا المجال، كونه الأب الروحي والمؤسس، لما يسمى حزب العمال الكردستاني، الذي يقض مضاجع تركيا منذ نحو أربعين عاما، وتركيا، من جهة ثانية، عندما تقول، إنها لن تتخلى عن سيطرتها على تلك المنطقة، إلا برحيل نظام الأسد، أو بعد الحل السياسي للأزمة السورية، فهي جادة بهذا الكلام، لكن ما يجعلنا نشعر بأن تركيا تقتطع جزءا من الأراضي السورية، هو إحساسنا بأن نظام الأسد لن يرحل وبأن الأزمة السورية لن تحل سياسيا، وبالطريقة التي قد ترضى عنها تركيا.

من أراد أن يقرأ المشهد على هذا النحو، فلربما يرتاح من ضجيج الشعارات البعثية "الجربانة"، التي لاتزال تعشعش في دواخلنا، وقضية الأعداء المتربصين بالأمة، والأخطار المحدقة بالبلد.. دعونا نقرأ المشهد بكل بساطة: من أوصل سوريا إلى كل هذا السوء، هو نظام الأسد العميل والمجرم، الذي ضحي بسوريا وشعبها من أجل أن يبقى على كرسي الحكم..

وأخيرا يمكننا القول بأن الأيام القادمة سوف تكون ملأى بالوساطات، التي سوف تطلب من الفصائل الكردية المسيطرة على المناطق الحدودية الشمالية من سوريا، بضرورة الانسحاب إلى الداخل، وتجنيب المنطقة كوارث العملية العسكرية التركية المرتقبة، وأغلب الظن أن الأتراك سوف يستجيبون، بالاستناد إلى تجربتهم في منطقة عفرين وجرابلس، والتي اتضح فيها أن موازين القوى العسكرية بينهم وبين الأتراك، ليس من السهولة ردمها ببعض المساعدات العسكرية الأمريكية، وما نشاهده اليوم من عنتريات لبعض قادة "قسد" والتهديد بالمواجهة والحرب الطويلة، لا يعدو عن كونه مجرد كلام فارغ، لا وزن له في المعارك العسكرية، مع أننا كسوريين، نحملهم المسؤولية، فيما آلت إليه الأوضاع في المنطقة التي يسيطرون عليها..فهم المسؤولون أولا وأخيرا، عن مشروع المنطقة الآمنة التركي .. كونهم أكثر من يعرفون، أن تركيا لن تسمح لهم بإقامة كيان كردي منفصل على حدودها، ويعرفون أكثر أن الأمريكان لن يغضبوا تركيا كرمى لعيونهم .. ومع ذلك، قادونا إلى هذه المغامرة الحمقاء، التي ستكلف سوريا، جزءا عزيزا من أراضيها.. فتبا للجميع..!

*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
(229)    هل أعجبتك المقالة (245)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي