أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من وحي ثورة محمد علي.. فؤاد عبد العزيز *

مظاهرة في القاهرة - جيتي

كتبت قبل يومين على صفحتي الشخصية في "فيسبوك" ما يشير إلى أنني لا أعول كثيرا على فيديوهات "محمد علي " لكي يتحرك الشعب المصري ضد عبد الفتاح السيسي، وقلت في ذلك المنشور إن الشعب الذي يحركه مقاول، لن ينتج ثورة، وإنما هيصة..فوجئت بحجم الردود والتعليقات، ومن نخب مثقفة، اضطرتني لإخفاء المنشور عن العامة، لأنه اتضح لي، بأن القضية أضخم بكثير من أن يتم إثارتها ومناقشتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

البعض اعتبر أنني أقلل من دور وأهمية المقاول في تحريك الشعوب، والبعض الآخر اتهمني بشكل مباشر بأنني أتهجم على كل ثورات الربيع العربي، التي تسبب بها أشخاص عاديون، مثل البوعزيزي في تونس، والأطفال في درعا .. وهو معني، لم أكن أسعى إليه على الإطلاق في منشوري، وبالتالي وجب علي التوضيح ما الذي كنت أقصده، من أن شعب يحركه مقاول لا يمكن أن ينتج ثورة.

في الحقيقة، مثلي مثل غيري، تابعت بعض فيديوهات محمد علي، التي يكشف فيها فساد المؤسسة العسكرية الحاكمة في مصر، وتقريبا منذ الفيديو الثالث، بدأ يكرر نفسه، ولا يقدم جديدا، وإنما يدعو الناس للثورة على هذا النظام والإطاحة به، بلغة قريبة جدا من وقع الشارع المصري، وحتى الشارع العربي، وربما هذا السبب الذي جعل متابعيه، لا ينتمون إلى مصر فحسب، وإنما إلى أغلب البلدان العربية، كما لو أنهم يتابعون مسلسلا مصريا من عدة حلقات.

برأيي أن محمد علي، بدأ يخطئ عندما أخذ يرسم شكل الدولة التي يجب أن تكون عليها مصر، وهو ما يعني تقليص جمهوره إلى حدود الفئات الشعبية البسيطة، ومعلوم أن حراكا شعبيا لا يتبناه نخب سياسية وعسكرية وثقافية من مرتبة معينة ومن داخل السلطة الحاكمة، لا يمكن أن يقود إلى ثورة حقيقية أو حتى إلى انقلاب، وإنما قد يحدث بلبلة على مستوى الشارع، لا تلبث السلطة العسكرية بالسيطرة عليه، وقبل أن يتحول إلى انفجار شامل..

بصراحة، محمد علي وفق هذا الخطاب، لن ينجح بإقناع من يدورون في فلك السلطة، أن ينفضوا عنها.. وهذا ما كنت أقصده بكلمة مقاول..لأن خطابه في الأساس، كان تحريضيا، يشبه إلى حد ما خطاب العرعور في الثورة السورية، ولا يمكن تشبيهه إطلاقا، بأطفال درعا أو بالبوعزيزي في تونس.

الثورة لا بد أن يكون لها رأس، من أجل أن تتفاوض معه السلطة الحاكمة، وهذا ما حدث في ثورة يناير في مصر في العام 2011، عندما طلب المجلس العسكري من المعتصمين في ميدان التحرير أن يفوضوا عنهم من يستطيعون التفاوض معهم للتعرف على مطالبهم، من أجل تحقيقها..أما محمد علي، فهو يدعو للفوضى العارمة، ونزول الناس للشوارع بأعداد كبيرة، أملا في أن ينقلب وزير الدفاع على الرئيس، في تكرار لتجربة السنوات التسع الماضية، أي أن شيئا لن يتغير، سوى استبدال رجل بآخر، على أمل أن يكون هذا الرجل أفضل من سابقه.

مشكلتنا في العالم العربي، أنه بسبب الاستبداد والظلم والعنف، تحولت علاقتنا بالحاكم والسلطة التي تمثله، إلى علاقة انتقام وثأر شخصي..كل منا أصبح أقصى طموحه وأحلامه الليلية، لو أنه يمسك حاكمه ويوسعه ضربا ويمسح به الشوارع..ونفس الشيء، أحاديثنا عن الحرية والديموقراطية، ففيها الكثير من المفهوم الشخصي لهذه المصطلحات.

وأعتقد أن الكثير من أفراد الشعب السوري، أتيحت لهم فرصة العيش في أوروبا، خلال السنوات الخمس الماضية على الأقل، واطلعوا على التجربة الديموقراطية فيها، وربما عرفوا، أن الشعوب الأوروبية حذرة كثيرا في التعامل مع سلطتها، وتخشاها، ربما أكثر مما كنا نخشى حافظ الأسد، غير أن الفارق بيننا وبينهم، أن السلطة عندهم لا يمثلها الرئيس، وإنما جهاز الدولة كاملا، بدءا من المدرسة وانتهاء بمخفر الشرطة، ومرورا بجهاز السوسيال في كل مدينة، ومشفى الأمراض العقلية الذي يتهدد كل من تسول له نفسه التجرؤ على انتقاد جهاز ونظام الدولة، ليس السياسي، وإنما ربما الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى الطبي والتعليمي.. تستطيع في أوروبا أن تعرف أن الدولة تقودها مؤسسات، وليس شخصا واحدا هو من يتحكم ويقرر مصيرها .. هذا ما يجب أن نسعى إليه في دولنا العربية.. أن تكون أنظمة الحكم عندنا لا مركزية، وأن يكون الاحترام والقانون هو الذي يحكم العلاقة بين السلطة بكافة أجهزتها والشعب..وأكاد أقول إن مشكلتنا في أغلبها في الدول العربية، هي قلة الاحترام وقلة الأدب ممن يمثلون السلطة في جميع المواقع، تجاه المواطن والشعب، أي باختصار، هذا ما يسمونه بالاستبداد، الذي لا نقصد به استبداد الحاكم فقط، وإنما كل من يمثلونه في جميع المؤسسات، من مدير الصرف الصحي إلى أعلى سلطة في الدولة.

*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
(226)    هل أعجبتك المقالة (228)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي