لا حافظ الأسد ولا مصطفى طلاس ولا علي دوبا.. فكل هؤلاء وأمثالهم ممن كانوا مضرب المثل في التشبث بكراسيهم ومناصبهم لعقود، يبدون صغارا في مدرسة اللواء الذي يحتكر قيادة "جيش" منذ 40 عاما وما زال طامعا بالمزيد.
ففي يوم 10 أيلول/ سبتمبر 2019 يفترض أن تحل الذكرى 55 لتأسيس ما يسمى "جيش التحرير الفلسطيني"، وفي طياتها ذكرى أهم وأخطر تجري التعمية عليها، وهي ذكرى مرور 39 عاما ونيف على تولي "محمد طارق الخضراء" زمام هذا "الجيش"، الذي ما يزال جاثما على صدره بصفة "القائد العامة" و"رئيس هيئة الأركان".

"الخضراء" الذي ناهز 78 من عمره، ما يزال رغم تخطيه السن القانوني للتقاعد المفترض للعسكريين محتفظا بكل مناصبه، محطما كل الأرقام القياسية لأي ضابط في نظام الأسد (على سبيل المثال، طلاس وزير دفاع الأسد المزمن تقاعد عن عمر 72 عاما، حكمت الشهابي تقاعد عن 67 عاما، ومثله تقريبا علي دوبا).. فما هو السر في احتفاظ "الخضراء" بمناصبه، أو بالأصح الاحتفاظ بـ"الخضراء" في مناصبه؟
يكمن السر المعلن في بقاء "الخضراء" على كرسيه، في كلمتين اثنتين "الجيش العقائدي"، فكما أسس حافظ الأسد جيشا "عقائديا" غرس في صلب عقيدته: الطائفية والفساد والارتزاق، وأوصى أفراده أن يعلو ولاؤهم له على أي ولاء، وأعدهم في سبيل ذلك الولاء لفعل أي شيء، بما فيه إحراق البلد كاملة بأهلها (وقد فعلوا).. فقد قام "الخضراء" باتباع نفس النهج ونخر في أساس جيش تم بناؤه لتحرير فلسطين، وحوله إلى جيش مرتزقة فاسدين، في مواجهة إسرائيل سلاحهم الخطب والصياح، أما عل "الجبهة الداخلية" فلا صوت لديهم يعلو على صوت البندقية والمدفع.
*تلميذ السراج
ولد طارق الخضراء لأب يدعى عبدالرحمن، عام 1941 في فلسطين المحتلة، ومنها فر بعد سنوات كحال أكثر الفلسطينيين نحو دول الجوار، واختارت أسرته الاستقرار في سوريا، وقضى "طارق" حياته بين حمص (التي تخرج من كليتها الحربية) ودمشق.

وكحال معظم العسكريين في تلك الفترة، فقد شارك "الخضراء" في معارك حزيران 1967 (النكسة)، وتشرين أول 1973 وغيرها، و"سطر" كما اعتادت القواميس الجامدة "البطولات"، وصولا إلى المعارك ضد "الإرهاب والتكفير" بسوريا، والتي ما تزال رحاها دائرة، أولاً على السوريين الذين يشارك بقتلهم، وثانيا على عناصر "جيشه" الذين يستمر في نعوتهم بصفة "شهداء".
وإذ لا يستطيع أي فلسطيني أو سوري تذكر آخر عملية قام بهم "جيش الخضراء" (على وزن جيش الأسد) ضد دولة الاحتلال، ولا حتى آخر عنصر من هذا الجيش سقط في مواجهة العدو، فإن الجميع تقريبا يستطيعون تذكر "المعارك البطولية" لجيش الخضراء في سوريا، حيث قاتل مع جيش الأسد كتفا بكتف في عشرات المواقع، من حلب والغوطة ودمشق ودرعا و...، وصولا إلى إدلب التي لابد أن يتم تدميرها حتى يصبح الطريق سالكا نحو القدس، وهذه ليس عبارة استهزاء ولا هي ادعاء، بل هي مقتبسة من تصريح لـ"الخضراء" نفسه.
فقد ظهر اللواء الأشيب بشحمه ولحمه في 2018 ضمن مقطع مصور بمناسبة ما أسماه "تحرير الغوطة"، ليقول إن الأولوية لتحرير سوريا كلها وبعدها يتم الانطلاق إلى فلسطين.
أما كيف شق "الخضراء" طريقه منذ البدايات، فمن المثير أن الرجل تربى في مدرسة الرعب والدم التي بناها "عبدالحميد السراج" تحت ستار "تحرير فلسطين" واقتفى خطواته فيما بعد جميع من شابهوه في الإجرام والتدليس، وفي مقدمتهم حافظ الأسد وأكرم السلطي (لمعروف بلقب الصفدي)، رفيق "طارق الخضراء" وابن مدينته، وأحد رؤساء "شعبة الاستطلاع"، والذي كان يمثل بالنسبة للفلسطينيين ما يمثله جميل حسن أو رستم غزالي أو حافظ مخلوف عند ذكرهم، وقد نشرت "زمان الوصل" معلومات عن تاريخ "السلطي" وابنته في تقرير سابق..
المثير أكثر أن "شعبة الاستطلاع" التي تعد بمثابة "جوية الفلسطينيين" تشكلت بعد وصول حافظ الأسد للحكم وبقرار منه، تماما كما تشكلت "الإدارة العامة للمخابرات الجوية" في نفس العام، وهذا وحده كاف للإيحاء بما تمثله "شعبة الاستطلاع" وبما يمثله "الخضراء" الذي اختاره حافظ الأسد من بين الجميع ليقوم ببناء وترؤس هذه الشعبة أواخر عام 1970.

ويعني ذلك بعبارة واحدة، أن "الخضراء" هو الأب الروحي والفعلي للمخابرات الأسدية التابعة لـ"جيش التحرير"، كما هو "محمد الخولي" الأب الفعلي للمخابرات الجوية.
*مكافأة الرضا
في 10 أيلول سنة 1964 تشكل ما يعرف "جيش التحرير الفلسطيني" بقرار من القمة العربية الثانية واقتراح من منظمة التحرير، ليكون العنوان العريض لتحرير فلسطين وتأمين حق العودة واسترجاع الحقوق المشروعة والمسلوبة للشعب الفلسطيني.
وأسندت مهمة قيادة "جيش التحرير" إلى "وجيه المدني" تبعه "العميد صبحي الجابي" ثم ما لبث "جيش التحرير" بعد سنوات قليلة أن دخل في هاوية الانحراف عن هدفه بل وحتى مسماه، ليصبح أداة طيعة بيد حافظ الأسد.
واكتملت عملية اختطاف "جيش التحرير" وتحويله إلى ملحق بجيش الأسد (قلبا وقالبا) مع تسمية "طارق الخضراء" بتاريخ 25 أيار 1980 قائدا عاما لهذا الجيش، ومن يومها والرجل قابع في كرسيه لا يزحزحه مزحزح، علما أنه بقي برتبة "عميد" سنوات طويلة، حتى منّ عليه حافظ بالترقية إلى رتبة لواء.
صدر قرار "ترقية" الخضراء قبل مصرع حافظ بعام، وهي الفترة التي يعلم الجميع أن حافظ (ومن يديرون سوريا وقتها بسبب تدهور صحته) كانوا يقومون بعملية هدم وبناء (تعيين واستبعاد) من شأنها أن تجعل طريق توريث بشار سلسة وبلا أي عقبات، وعليه تم إبعاد رؤوس كبيرة مثل دوبا والشهابي، وتم الاحتفاظ برؤوس أخرى مثل خدام وطلاس وأيضا "الخضراء"، باعتبارها ديكورات لازمة وشخصيات متفانية في الطاعة والانبطاح.
وقد خاض "الخضراء" كل الدهاليز والتجارب المعتمة تحت لواء حافظ الأسد، بداية من أحداث أيلول الأسود في الأردن، مرورا بغزو جيش الأسد للبنان وما نجم عن ذلك ورافقه من مذابح بحق الفلسطينيين، تم تتويجها بطرد منظمة التحرير من فلسطين (منظمة التحرير هي المؤسس الفعلي لجيش التحرير)، بمعونة كثير من شبيحة الأسد في الجانب الفلسطيني، وفي مقدمتهم "طارق الخضراء" و"أحمد جبريل".
وفي مؤشر على أن أداء "الخضراء" (كان يومها برتبة مقدم) خلال الغزو الأسدي للبنان كان مرضيا غاية الرضا لحافظ، يكفي أن ننتبه أن تعيين "الخضراء" في منصب القائد العام لجيش التحرير بل وتأبيده في هذا المنصب، صدر بعد سنوات قليلة من بداية الاجتياح الأسدي للبنان، تحت غطاء ما يسمى "قوات الردع العربية".
*متلازمة
وكما كان "جيش التحرير الفلسطيني" تحت قيادة الخضراء يقاتل جنبا إلى جنب "جيش الأسد" سنوات طوالا خلال احتلال لبنان، مشاركا إياه الجرائم والانتهاكات حتى ولو كانت بحق الفلسطينيين، فقد جاءت الحرب السورية لتعيد تلك الأيام وتنفض الغبار عن "جيشين" تحولا إلى هيكلين صدئين ومترهلين.. جاءت لتعيد لهما روح "التعاون" على القتل والسرقة والتدمير، أسوة بالأيام "الخوالي".
فأعطى المأمور "الخضراء" أوامره لآلاف العناصر من جيشه (يقدر عدد عناصر جيش التحرير بنحو 6 آلاف مجند ضابط) ليقفوا بكل قوتهم مع بشار الأسد وجيشه، ولو كان ذلك على حساب سفك الدم الفلسطيني (كما فعل الخضراء وجبريل في مخيم اليرموك بالذات)، بل حتى ولو كان ذلك على حساب تفكيك وإفناء "جيش الخضراء" نفسه، كما فعل الأسد بجيشه.

فخلال سنوات حرب الأسد عن السوريين، لم يتوقف "الخضراء" عن نعوة ضباط وعناصر من جيشه، يتم عصابات "الإرهاب والتكفير" بقتلهم، وينشر صورهم في دورياته التي تجمع إلى جانب خطابها الخشبي المثير للشفقة، عددا كبيرا من صحافيي ومحللي العهود الغابرة من يسارجين وقومجيين وسواهم، من أمثال: نبيه البرجي، أمين حطيط، حميدي العبدالله، محمد صادق الحسيني، عصام نعمان، أحمد ضوا، وصولا إلى الفرنسي "تيري ميسان".
ولا تحوي هذه الدوريات الصادرة عن جيش التحرير (جريدة الجندي، مجلة صوت فلسطين) مجرد نفايات التحليل المتمترسة بشعارات وآراء سقطت منذ زمن، بل تضم أيضا مختارات من أشعار "الخضراء" الذي أنتج حتى الآن 5 دواوين، جريا على عادة عساكر الأسد المصابين بمتلازمة "الضابط الشاعر"، والتي قد تهاجمهم أثناء الخدمة، وفي أحايين كثيرة بعد التقاعد.
وإلى جانب كل ذلك، يحفل أرشيف "جيش التحرير" وإعلام هذا الجيش بكومة من برقيات ورسائل التهنئة، التي "يرفعها" الخضراء في كل مناسبة وحين إلى "بشار الأسد"، مخاطيا إياه بأكثر عبارات التقديس فجاجة، ومناوبا بين مناداته "سيدي القائد الأمل"، "سيدي الرئيس المفدى".
*مفارقة رقمية
أخيرا، ونحن نتكلم عن "جيش الخضراء" في مقابل "جيش الأسد"، يحسن أن نلفت إلى مصادفة إحصائية (وربّ مصادفة خير من ألف ميعاد)، تقول إن عمر "الجيش العربي السوري" ناهز 73 عاما، أحكم الأسد (حافظ وبشار) قبضته عليه مدة 53 عاما حتى الآن (أي نحو 3 أرباع عمر الجيش السوري كان تحت سيطرة الأسد)، أما "جيش التحرير الفلسطيني" فقد بلغ عمره 55 عاما، استحوذ "طارق الخضراء" على 39 عاما منها ولا يزال، أي إن "الخضراء" احتكر نحو ثلاثة أرباع عمر جيش التحرير الفلسطيني، وهو مؤهل لـ"يتفوق" على الأسدين معا.
إيثار عبدالحق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية