"السيد حيدر".. مات "جلاد محكمة الإرهاب" وكبير مستشاري بشار في الملف الإيراني والمشرف على مكتب "العفو الخاص"

لم يشأ الرجل الثمانيني ولا ذووه المقربون أن يتركوا مجالا لمتقول أو مشكك في مذهبه الذي التحق به وتياره الذي ركن إليه، فاختار واختاروا له أن يصلى على جثته في "مقام السيدة زينب"، رغم أنه يعيش في أرقى أحياء العاصمة دمشق، وفي محيط مساجد وجوامع كثيرة "تناسب مقامه!" واعتاد أن يؤمها كبار مسوؤلي النظام/ إما أحياء لـ"يؤدوا الصلاة" أمام الكاميرات، وأما أمواتا ليصلى عليهم.
هكذا إذن قطع موت من يسمى القاضي المستشار "السيد حيدر" ابن محمد سعيد العرفي الشك باليقين، عندما حملت جثته (يوم السبت 24 آب 2019) خارج دمشق بعيدا عن بيته في منطقة "الشعلان" لكي يصلى عليها في مكان (مقام) يعرف معظم السوريون رمزيته وتبعيته.
ومع موت الرجل عن عمر ناهز 79 عاما، لا نملك أن نؤكد إن كان قضاها "في الصلاح والتقوى"، لكننا نملك من المعلومات ما يثبت أن الرجل عاش ردحا طويلا من حياته عونا لحافظ الأسد وولده بشار، وأداة طيعة من أدوات تشييع سوريا على ملة ومذهب إيران.
*أبوه
جاء "السيد حيدر" –كما هو اسمه في السجلات الرسمية إلى الدنيا عام 1940، ولوالده "محمد سعيد" صيت طبق آفاق بلاد الشام وجاوزها في ميادين الدين والسياسة والوجاهة الاجتماعية، وهو الذي –أي محمد سعيد- خدم على عهد العثمانيين كضابط في جيشهم، قبل أن يصبح مديرا للمكتب السلطاني ومديرا للمعارف بالوكالة بدير الزور.
ولاحقا كلف بإدارة مالية دير الزور، كما عين في منصب المدرس الأول بدير الزور، ثم رئيسا للجنة الأوقاف في الفرات والجزيرة، وخاض غمار المحاماة فوصل عبرها إلى البرلمان السوري.
أما دينيا وعلميا، فقد كان نشاط الرجل واضحا وكبيرا، حتى وصل إلى منصب مفتي محافظة الفرات، أيام كان لهذا المنصب وزن راجح للغاية، فضلا عن ترؤسه مجلس أوقاف دير الزور، وعضوية "المجمع العلمي العربي".
وما إن حل عام 1950 حتى صار عضوا في "المجلس الإسلامي الأعلى" بسوريا وبعدها بعام واحد صار رئيسا له.
هذا على مستوى سوريا، أما على المستوى العربي فقد كان لـ"محمد سعيد العرفي" صولات ومشاركات في أحداث ومؤتمرات شغلت بال الناس في تلك الفترة، ومنها: مؤتمر الوحدة العربيّة (مكة، 1922)، مؤتمر بلودان الشهير (سوريا، 1937) لبحث شؤون القضية الفلسطينية، المؤتمر البرلماني العالمي (القاهرة 1938).
نسوق هذه المقدمة البسيطة والموجزة عن حياة والد "السيد حيدر"، لنقول بأن هذا الأخير لم يكن ينقصه أي مما يحلم به شخص ما، من مال ووجاهة ونفوذ بل وحتى حسب، وهو المنسوب إلى عشيرة "السادة المشاهدة".. حتى ينحدر في اختياره ويسقط في اختباره، فيلتحق بأكثر المشروعات التي أضرت بسوريا والسوريين، وبفلسطين، بل وبعموم العروبة والإسلام، اللذين كرس لهما "محمد سعيد العرفي" كثيرا من مؤلفاته.
*بين قطيط والحطيطة
لايُعلم بالضبط متى حدث "التحول الكبير" في حياة "حيدر العرفي" ولا السبب الرئيس له، وإن كانت هناك أقاويل أن والده "العلامة!" قد سبقه على طريق التشيع، فتبعه الولد تأسيا، وهذا الادعاء عن تشيع "محمد سعيد العرفي" نجده في ثنايا كتاب لمتشيع يدعو نفسه "هشام قطيط"، نقلا عن متشيع معروف في شرق سوريا اسمه "عامر الحطيطة" ولد عام 1965 ودرس في معهد "الخزنوي".
"الحطيطة" باح لـ"قطيط" بعدد من أسماء رؤوس التشيع في شرق وشمال سوريا، ومنهم "محمد سعيد العرفي" وابنه "السيد حيدر".
وإن كانت علامات تشيع الأب (محمد سعيد) غير ظاهرة تماما، لوفاته قبل ولادة جمهورية الخميني الحاضنة الرئيسة والحاملة الأساسية لمشروع التشيع في بعده ومفهومه الفارسي، فإن علامات تشيع الابن (حيدر) بادية لكل من يريد البحث عنها في مظانها، وأبسطها مشاركاته المتلاحقة و"المعلنة" في مؤتمرات "دينية" في إيران، هذا عدا عن مشاركاته الخفية، فضلا عن كتاباته ومقالاته المبثوثة في دوريات شيعية القلب والقالب.
أما علامات تشيع "السيد حيدر" الأشد وضوحا، فقد كانت ترخي بظلالها السود على ميدان الشرق السوري المثخن بالإهمال والـمُحارب بسلاح الفقر، وهو العائم على بحر من الذهب الأسود (النفط)، والأصفر (القمح)، والأبيض (القطن) والزاخر بمياه وخبرات متراكمة تاريخيا تكفي لإحداث نهضة قوية، لو وجدت له من يدعمها ولا يعرقلها (سبق لزمان الوصل أن أفردت قبل أعوام تقريرا خاصا عن التشيع في دير الزور ضمن سلسلة من عدة حلقات).
ومن علامات تشيع "السيد حيدر" التي كان يرقبها بعض المتابعين لنشاط التشييع في شرق سوريا ولا يجرؤون على البوح بها، مخافة بطش نظام يدافع عن إيران أكثر من نفسه.. من تلك العلامات كانت علاقاته بقطب التشيع الأكبر "ياسين معيوف" وترويجه لكتب ومؤلفات خطها بيمينه ( أي السيد حيدر)، وفيها ما فيها من تبن لمقولات شيعية.
ومن اللافت أن نجد بين المسوقين لكتب "السيد حيدر" جاسوس المخابرات الأسدية وذيلها الأطول في دير الزور "محسن مراد" المعروف شعبيا بلقب "محسن شعبونة"، وهو شخص متحدر من "نبل" الشيعية بريف حلب، استوطن دير الزور وأذاق أهلها ويلات "تعاونه" مع مخابرات الأسد.
وقد أنجب "محسن شعبونة" ولدا يسمى "زين العابدين" فاحت رائحة نتنه الطائفي وسط دمشق وعلى العلن، داعيا إلى حرق "الشام بلي سكنها"، وهو المقطع الذي أثار حتى موالي النظام ودفع الأخير لاعتقاله ذرا للرماد، ثم ما لبث أن أخلى سبيله.
*شطب الحياة بجرة قلم
وبالعودة إلى "السيد حيدر العرفي" لم يكن لدى من خبروا سيرته وتابعوا تدرجه إلا الجزم بأن الرجل خلع رداء "سنيته" كلية ولبس عوضا عنه عباءة شيعية، ما جعله أحد رجال طهران المعتمدين داخل نظام الأسد.
وفي هذا الصدد فإن هناك كثيرين من الذين سمعوا باسم قاضي محكمة الإرهاب "حيدر سعيد" لكن قلة قليلة تعلم أن هذا القاضي هو نفسه "السيد حيدر العرفي"، المتحدر من عائلة تضم 4 قضاة أشقاء (تزوج محمد سعيد العرفي من امرأتين)، كلهم سواء في خدمة الأسد وفي تغلغلهم داخل الجسم القضائي ونخرهم به.
فإلى جانب "السيد حيدر" القاضي في محكمة الإرهاب، هناك القاضي معد العرفي، والمستشار القاضي "لؤي" الذي كان يرأس إدارة قضايا الدولة (المطلوب بتهمة تهريب أسلحة!)، والمستشار القاضي عبد الله، الذي ذاع صيت ابنته القاضية "مريم العرفي" عندما أصدرت قرارا استندت فيه إلى تأويلات أشبه بالخزعبلات، واعتبرت فيه أن كل من غادر سوريا فقد اقترف سلوكا "مخلا بالآداب العامة".
ووسط هذه العائلة التي تكاد تبتلع سلك القضاء، فقد بقي "السيد حيدر" (هذا اسمه الرسمي في السجلات كما شقيقه السيد عبدالله، خلافا لبقية الأشقاء الذين تخلو أسماؤهم من لقب السيد).. بقي الأوفر حظا والأقرب إلى بشار، كيف لا وهو الرجل الذي يحمل على عاتقه لواء مشروع "الحلفاء" في طهران، إلى أن جاءت الثورة السورية (رغم كل ما يطفو على سطحها من إخفاقات) على حين غرة فجعلته شذر مذر وأعادت خلط أوراقه، وأسقطت كثيرا من الأوهام التي استوطنت في عقول العامة كحقائق ومسلمات، كانت ستنقل إلى الأجيال القادمة مغلفة بغلاف القداسة والحق الذي لايأتيه باطل.
وفي هذا الإطار فإن قلة قليلة جدا يعرفون أن جلاد محكمة الإرهاب "السيد حيدر" كان في نفس الوقت مستشار بشار للشؤون الإيرانية، وكان يحظى بمنصب لا يصل إليه إلا "أولو العزم" من الثقة والحظوة، ونقصد عمله كمستشار في "مكتب العفو الخاص" بالقصر، هذا المكتب الذي كثيرا ما شطب حياة أناس بجرة قلم، كما شطبه قلم "السيد حيدر" في محكمة الإرهاب وهو يحول الناس إلى الإعدام المعجل، أو الإعدام المؤجل عبر إيداعهم في معتقل صيدنايا ليذوقوا أهوال العذاب والموت البطيء.
*وبعد..
إذا كان هذا التقرير غير قادر على حل جميع ألغاز حياة "السيد حيدر" لشدة تخفيه، إلى درجة عدم توفر صورة له إلا منذ أيام شبابه!، فإن هناك لغزا وسؤالا يحمل في طياته الجواب مع كثير من البشائر.. لغز اختيار "السيد حيدر" أن يدفن في دمشق، وليس في دير الزور التي عادت إلى "كنف الدولة السورية" (نظامه)، علما أن والده مدفون في جامعهم "جامع العرفي" في دير الزور، بل إن "السيد حيدر" نفسه هو من تولى سابقا نقل رفات والده إلى هذا الجامع (كان خطيبه يوما من الأيام رياض درار، الشيخ الذي تقلبت به قراراته حتى رسا على برّ "مسد" أي مجلس سوريا الديمقراطية، الغطاء السياسي لمليشيا "قسد").
جواب لغز إصرار "السيد حيدر" على دفنه قرب معقل نظامه الأقوى في دمشق، وليس إلى جانب والده ووسط مدينته.. جواب يشير إلى أن "السيد" الثمانيني رأى بأم عينه وأقر بعقله زوال أركان المشروع الذي خدمه طويلا في دير الزور، وأن عودة هذه المدينة إلى حظيرة النظام ليست سوى عودة مؤقتة، ستتلوها بلا شك موجة لاسترجاع هوية عروس الفرات الأصلية.. موجة لا يضمن أحد معها أن يبقى للمشروع الإيراني ولا لخدمه وأتباعه أي وجود في الشرق الرابض دوما فوق بركان.
إيثار عبدالحق - زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية