أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أبو عمشة... كعك بعجوة*

أبو عمشة - نشطاء

عام 1993، ظهرت أغنية، لناشط أردني، تحمل اسم "أبو يوسف كعك بعجوة "، يؤديها بصوت قبيح على طريقة الراب، ويسخر فيها من نمط الغناء السطحي والسخيف الذي ظهر في تلك الفترة.. المفاجئة كانت، أن الناس تعاملت مع الأغنية على أنها نوع جديد من الغناء، وهي على سخافتها، حققت انتشارا واسعا، ونجاحا كبيرا، تجاوز حدود الجغرافية الأردنية، لدرجة أن مطلقها الذي كان يهدف للرد على الغناء السائد آنذاك، اتهم بأنه هو من يروج للسخافة.. وهو كما روى فيما بعد، لم يكن يخطر بباله أبدا، أن تنجح الأغنية بحد ذاتها، بينما يتجاهل الناس الهدف منها.. وروى كذلك أن العروض بدأت تنهال عليه من المنتجين، لتأليف أغاني على نفس النمط، بالإضافة إلى عروض لإحياء حفلات، يغني فيها فقط "أبو يوسف كعك بعجوة".

لكن الأغنية في ذلك الوقت، كانت إيذانا ببدء عهد جديد، ليس في الغناء فحسب، وإنما في كل شيء، مفاده أن هذا العصر رديء ومنحدر إلى حدود لا يمكن لأحد أن يتخيلها. لقد اختفى، بعد ذلك، الأصلي والحقيقي من حياتنا، وانتشر عوضا عنه، الرخيص والمزيف، والأهم من ذلك أن الناس بدأت تتآلف معه، وتبدي استعدادها على الدوام، لتقبل ما هو أردأ.

هذه الحالة، ظن كثيرون، أنها سوف تظل محصورة في الأنماط الاستهلاكية، كالغذاء واللباس والغناء، لكنها سرعان ما انتقلت إلى الشعر والأدب والنقد ومن ثم إلى الجامعات والأكاديميين، والرئيس والوزراء ورئيس الحكومة والمدراء العامين، وإلى كل شيء تقريبا، حيث أصبح كل هؤلاء نموذجا عن "أبو يوسف كعك بعجوة".

لكن هذا لا يعني أن الأصلاء ما عادوا موجودين، وإنما اختفى صوتهم وسط هذا الغثاء الرهيب، وهم من جهة ثانية ظلوا يراهنون، على أنه في النهاية لن يصح إلا الصحيح.

مع انطلاق أحداث الثورة السورية، اعتقد الكثيرون، أن الفرصة قد حانت لكي يختفي "أبو يوسف كعك بعجوة" من حياتنا وأن يصح هذا الصحيح، ويعود أصحاب الصنعة الحقيقيين، إلى مواقعهم وأدوارهم الأصلية.. لكن ما حدث أن الثورة عززت من وجود "أبو يوسف" في واقعنا، بدلا من طرده، وأصبحنا نجد "أبو يوسف " في كل مكان وموقع من مواقع الثورة، بدءا من أصغر زاوية إلى أكبر منفرجة فيها.. وهكذا، جرى استبعاد والقضاة والمحامين واستبدالهم بالشرعيين، والضباط والقادة العسكريين، بقطاع الطرق وبائعي البسطات والمهربين، والمهندسين بنجاري الباطون.. إلخ.

هذا الأمر لم يحدث صدفة، وإنما كان مخططا له بدقة، من قبل الدول الكبرى والنظام على وجه الخصوص.. فأن تأتي بشخص وتضعه في غير مكانه، هو قمة الدمار للموقع الذي يتولاه.. وهذا رد كاف على من يسأل اليوم، لماذا لم تنجح الثورة السورية بعد أكثر من 8 سنوات من التضحيات الجسام..؟

على فكرة.. أنا لحد الآن "ما جبت سيرة أبو عمشة..! لأني ما بعرفو.. ولا بدي أعرفو.. بس الحق مو عليه، وإنما على من سيده".. ، وهل منكم من يكره السيادة..؟!

*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
(521)    هل أعجبتك المقالة (629)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي