على مثل هؤلاء تبكي البواكي، الخافون عن العيون الملتصقون بتراب الأرض، وببنادقهم التي ما كلوا من حملها في وجه الظلم ثماني سنوات وما بدلوا تبديلا.. هؤلاء الذين يعلمون بمنتهى الصمت ويرحلون بمنتهى الهدوء، رغم أن لهم من الأعمال لو تكلم لأحدث ضجة بركان.
كان "أبو حمزة الشامي" الذي أعرفه عن قرب، نقيبا في جيش الأسد يوم انطلقت أولى صرخات الحرية وواجهتها سريعا طلقات الرصاص، يومها وكما حدثني سابقا لم يكن مصدوما بإجرام النظام، بل بشدة هذا الإجرام وفظاعته.
وتابع: عندما ثار شعبنا كان أمامي خياران لا ثالث لهما، لا مجال للخيار الثالث.. إما أن تقتل أهلك وشعبك، أو أن تقف ضد القاتل.. وهل يمكن أن يحتار إنسان سوي أمام الخيار السليم؟!
ويكشف ابن "وادي بردى" الذي شرب من مياهه الصافية ما لايحصى من البشر على مر الدهور.. يكشف أن ما أخره عن تنفيذ خيار الانشقاق كان وجود شقيق له يخدم في فرع الأمن السياسي، وضرورة تنسيق الانشقاقين زمنيا لكي لا يودي انشقاق واحد منهما بحياة الآخر.
*حاجز حمص أخرني
ويتابع من وحي جلسات وأحاديث سابقة لي معه: عندما تم تنسيق الانشقاقين بصعوبة، واجهتني مشكلة الحاجز الذي وضعني النظام في قيادته ضمن أحد أحياء حمص.. ترددت كثيرا.. كيف أترك هذا الحاجز يعيث توقيفا وإذلالا في أبناء شعبي وهم الذين ما عرفوا عني إلا ما يدل على انتمائنا الواحد، وقدمت كل ما يمكنني في تلك الظروف العصيبة لدفع الضرر عنهم، متجاهلا كل خطر وضرر قد يلحق بي.
ولكن لم يطل ترددي في شأن الحاجز طويلا، فما هي إلا مكالمة واحدة من أحد ثوار بلدتي حتى قضي الأمر، هاتفني يومها قائلا: أبو حمزة نحن بحاجتك.. ورب الحاجز يدبر الحاجز.. فانطلقت وخلال 3 ساعات كنت في "كفر العواميد" تاركا الحاجز ومستودعا حمص رب حمص الذي لن ينساها... لم يطل الطريق رغم كثرة الحواجز.. فثلاث نجوم على كتفي كانت كفيلة بتسهيل وتسريع مروري.. تلك النجوم التي عزمت أن أخلعها عن كتفي إلى الأبد لما صارت ترمز إليه في وجدان شعبنا.
وجد "أبو حمزة" في بلدته شبابا تنقصهم الخبرة والتنظيم لرد عادية الأسد وشبيحته، ولكنهم في نفس الوقت مدججون باندفاع وحماسة كبيرين، بادر النقيب المنشق عن جيش النظام إلى استثمارها أفضل استثمار، فقسم المتطوعين إلى كتائب وحدد المسؤوليات، وشرع في تنظيم دورات تدريبية تشمل الإعداد البدني واستخدام السلاح الفردي وبعض دروس التكتيك.
ورغم انعدام التمويل وقلة ذات اليد وندرة السلاح، فإن الصعوبات لم تكن تذكر حينها، بوجود عقيدة قوية واندفاع لا حدود له لدى المتطوعين التواقين للتخلص من النظام المجرم.. يعقب: العقيدة والاندفاع عوضا كل شيء كنا نفتقده.
يخجل "أبو حمزة" كأمثاله من الأبطال الحقيقيين من استعراض أعماله أو التفاخر بجهوده، هذه الأعمال والجهود التي يؤكد آخرون أنها كانت ذات أثر بالغ في تحصين "وادي بردى" وجعله عصيا لسنوات على جيش الأسد وأعوانه.
كان طيف نشاط "أبو حمزة" واسعا، فقد استفادت الكتائب من خبرته في تصنيع بعض أنواع الهاونات، كونه خريج كلية المدفعية، وعول الثوار كثيرا وطويلا على شجاعته وخبرته في قيادة المعارك ودرايته بتفكير وتكتيكات النظام، وبقدر ما كانت هذه الأعمال داعمة للثوار، بقدر ما كانت موجعة للنظام الذي رصد كل ما يستطيع للإتيان برأس الرجل، تمثلت عمليا في 3 محاولات اغتيال.
*كابوس حزب الله
وفي الوقت الذي باتت منطقة "وادي بردى" مضرب المثل في منعتها بوجه الأسد وأعوانه من روس وإيرانيين، اشتعلت جبهة "الزبداني" واستعر هجوم مرتزقة النظام وحزب الله عليها، فهب "أبو حمزة" نحوها رغم تحفظ بعض قادة الفصائل، وسعيهم لإبقائه في المنطقة لأنها ستحتاجه عاجلا أو آجلا.
ولكن تصميم "أبو حمزة" على نجدة "الزبداني" وثوارها كان واضحا ولا يقبل أي نقاش، فانطلق ومعه مجموعتان من الثوار.. ساروا على الأقدام واخترقوا بأعجوبة الحصار المطبق على "الزبداني"، والذي كان مؤلفا من 5 أطواق مراحل كما أخبرنا أحد من خاضوا غمار المهمة.
وقد سئل "أبو حمزة" يوما أن يحدث عن بعض ما فعله في "الزبداني" لكنه كعادته أبى، موضحا أنه يرجو الثواب من الله وحده ولا يريد لحديثه أن ينقص الأجر، لكن بعض من رافقه حدثنا عن "البلاء الحسن" الذي أبلاه "أبو حمزة" وتحوله إلى ما يشبه الكابوس بالنسبة لمرتزقة الأسد وحزب الله، وهجومه المتكرر عليهم وتقدمه للاشتباك القريب معهم (أحيانا على بعد 100 متر)، وابتسامته التي كانت الإشارة والبشارة في نفس الوقت، فعندما كان "أبو حمزة" يعود والبسمة تعلو محياه كان ذلك دليلا على شدة الفتك بالعدو المهاجم، حتى حدث "اتفاق المدن الأربع" الذي أوجع الرجل وكل من كانوا معه من الصادقين، ولكنه لم يفت في عزيمتهم.
فما إن وصل "أبو حمزة" نحو الشمال المحرر، حتى جهر بكلماته الراسخة والمعبرة: يا شباب ما أتينا إلى هنا لنرتاح.. من أراد أن يرتاح فهو حر، ولكن ليرتح وحده وهذا آخر لقاء بيننا.. هنا ورغم انسلاخنا عن مراتع الطفولة سيكون مجال العمل أرحب. ومن الساعة يجب أن نعد للعودة ولرفع علم الثورة على قمة قاسيون.
لم يترك "أبو حمزة" الوقت ينسل بين يديه، وعاد سريعا كما كان شعلة من العمل التنقل بين الجبهات، من حلب إلى حماة، ومن جنوب إدلب إلى جبهات الساحل، وكانت أتعس أيامه عندما لا يكون لديه عمل على الجبهة أو متعلق بها.
زهد الرجل في المناصب التي عرضت عليه، ورفض كل إغراءات السفر.. بل عزف حتى عن الزواج رغم تجاوزه سن الخامسة والثلاثين.
*لا تحرموني شرف القتال
ورغم أن قيادته ارتأت أن أفضل خدمة يقدمها للثورة هو أن يكرس جهوده للتدريب وللإعداد؛ نظرا لخبرته وسعة معلوماته ومتابعاته وللحاجة إليه في هذا المجال، ولوجود كثير ممن يمكن أن ينخرطوا في ساحات القتال، إلا أنه أبى، بل وأخبرني أنه أعلمهم وبالحرف: أقدم لكم ما تريدون في مجال التدريب والخبرة بشرط ألا تحرموني شرف الرباط وقتال العدو.
إقدام "أبو حمزة" وثباته كانا مترافقين مع بعد نظره وواقعيته، وأذكر في لقاء لنا قبل نحو عامين عندما أخبرني بعزمه على تدريب الشباب تدريبا مبدئيا على جميع صنوف الأسلحة، ولما أبديت استغرابي، رد عليّ بالحجة: نحن لسنا جيشا وإمكاناتنا محدودة، تصور أننا هاجمنا موقع واغتنمنا دبابة أو مدفع هل نتركهما أم نبدأ العمل عليهما فورا؟
وكعادته، قرن القول بالعمل فأطلق مشروعه الشامل لتدريب الثوار على مختلف صنوف الأسلحة، والذي نرجو أن يستمر ويكبر، وأن لا ينقطع بانقطاع أجل الرجل.
وكما كان لـ"أبو حمزة" بصماته في ميدان المعارك، كانت آثاره واضحة في رفض أي اقتتال بين الفصائل، وسعيه المستمر في "إصلاح ذات البين"، وكانت له في ذلك مواقف ومساع حظيت بتقدير الكثيرين، حتى ممن لم يكونوا على دراية بسيرته وخبرته.
وفي صبيحة السادس والعشرين من تموز/يوليو، كان "أبو حمزة" على الميعاد المعتاد منذ ثماني سنوات في التصدي لهجوم عصابات القتل من أسديين وروس وإيرانيين، ووقف ومعه ثلة من المقاتلين تحت وابل القصف الجنوني على "تل ملح" بريف حلب، يقاوم ويقاوم رافضا أن يمروا إلا على أشلاء جسده.
ختم "أبو حمزة" حياته كما كان يرجو ويخطط، لم يحقق حلم العودة إلى مسقط رأسه ولا حلم رفع علم الثورة فوق قاسيون، لكن سواعد من رافقوه ومن تتلمذوا على يده، العاملون بصمت وبدأب، ما تزال تعمل على جعل الحلم حقيقة ولو بعد حين.
زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية