قلت مرة لصديق ليبي، إن كل الليبيين الذين التقيتهم كنت أشعر أنهم يشبهون القذافي، فضحك وقال لي: والله نفس الشيء، ونحن كذلك كنا نرى أن السوريين الذين نلتقيهم، يشبهون حافظ الأسد، واليمنيين علي عبد الله صالح، والعراقيين يشبهون صدام حسين.
وضرب لي مثلا، أنه زيادة على ما تفضلت به من أن الليبيين يشبهون القذافي بالشكل، أنه وجد انطباعا لدى شعوب الدول الأخرى، من أن كل الليبيين مثل القذافي، مختلون عقليا وعشوائيون وسذج، لدرجة أن أحدا لم يكن يتصور أن يكون هناك ليبي مثقف وذكي وأنيق، فخرجنا سوية بنظرية، أن الشعب الذي يحكمه ديكتاتور لفترة طويلة، لا بد أن يتطبع بطباعه، حتى ليظن الآخرون أنه يشبهه أيضا في الشكل.
وعلى سيرة الديكتاتوريين، يقال إن صدام حسين عندما تولى السلطة في العراق مطلع الثمانينيات، منع على الفور أغنية موفق بهجت "يا صبحة هاتي الصينية" الذائعة الصيت آنذاك، لأن أمه اسمها صبحة.
وروى لي أخ عراقي، أن صدام لم يمنع بثها على الإذاعة والتلفزيون فحسب، وإنما منع الدندنة بها في الحمام وفي الشوارع، وقد تصل عقوبة من يسمع وهو يغنيها، الهلاك.
وفي المقابل روى لي أخ سوري من قيادات الحزب في الثمانينيات، أن حافظ الأسد التقط فكرة انزعاج صدام حسين من الأغنية، فأوعز للإذاعة والتلفزيون السوري بأن يبثانها أكثر من مرة في اليوم، ثم تم الطلب من موفق بهجت أن يعيد تصوير الأغنية في الثمانينيات، والتي يعود تاريخها للعام 1973، كما وتم الطلب من أم عمار (ماريا ديب)، أن تبث الأغنية كل خميس في برنامجها "ما يطلبه الجمهور"، حتى لو لم يطلبها أحد.. كون بث التلفزيون السوري كان يصل إلى المناطق الحدودية العراقية.
وزيادة على ذلك، أصبح موفق بهجت ضيفا دائما على جميع الحفلات الغنائية التي كان يحييها أو يبثها التلفزيون، ومطلوب منه أن يغني "يا صبحة" وأن يتنغم بها، مع الإطالة ما استطاع، وأحيانا كان يغنيها أكثر من مرة في الحفلة الواحدة .. في منتصف التسعينيات، جمعتني جلسة مع موفق بهجت في أحد المطاعم، بدعوة من أحد الأصدقاء.. كان مزعوجا بشدة، وهو يتحدث إلى شخص بجانبه، ويقول له، إن توجه القيادة السياسية للتركيز على أغنية وحيدة له وبثها كل يوم، أضر بفنه كثيرا، الذي لم يصل منه للناس سوى أغنية "يا صبحة"، وسمعته يقول له، إن الناس في الشارع أصبحت تناديه عندما تراه، بـ"يا صبحة"، وكلما خرج إلى المسرح، وقبل أن يغني أي شيء، يعلو الصياح بـ"يا صبحة"، ثم بعد قليل، نظر إلينا، نحن الموجودين على طاولته، فكشر عن ابتسامة عريضة، وأخذ يغني بصوت مرتفع، بلا موسيقا طبعا ، "يا صبحة هاتي الصينية"، بينما كل من في المطعم أخذوا يردون عليه بالدق على الطاولة.
دب الحماس بموفق بهجت، فوقف وراح يغنيها كما لو أنه على خشبة المسرح .. فزاد المرح والتفاعل معه لدرجة أن البعض تهيأ لعقد حلقة دبكة..وبعد أن انتهى من الغناء عاد إلى مقعده، وقال لنفس الشخص الذي كان قبل قليل يبدي تذمره أمامه، "حلوة ولوووو .. عن جد حلوة" ويقصد الأغنية.
بعد أن رويت لصديقي الليبي القصة السابقة، قال لي: بالله أسمعنا أغنية يا صبحة لموفق بهجت..فرددت عليه ضاحكا: وتريدني أن اقتنع بأنك لا تشبه القذافي ..؟!
يا صبحة هاتي الصينية.. فؤاد عبد العزيز*

*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية