من حورية إلى ساحرة شريرة، هكذا لخصت إحدى أشهر الصحف الفرنسية سيرة "أسماء الأخرس" زوجة الطاغية بشار، محاولة تفنيد بعض الروايات التي نسجت حولها من أجل تثبيت صورة أسطورية لها، اتضح لاحقا أنها كانت مصطنعة للغاية، وربما مختلقة في بعض ملامحها.
الموضوع المطول الذي نشرته "ليبراسيون" الفرنسية وتولت "زمان الوصل" ترجمة فحواه، أعادت فيه الكاتبة "هالة قضماني" الفرنسية الجنسية السورية الأصل.. أعادت التذكير بالعديد من محطات أسماء لاسيما من يوم اقترن ذكرها باسم بشار الأسد.
صورة أسماء كـ"ليدي" لايشق لها غبار تم إصدار النسخة الأولى منها على المستوى العالمي، مع بادرة غير مسبوقة حين تم استقبال بشار وزوجته عام 2002 في قصر باكنغهام في طقوس احتفائية استثنائية، باعتباره أول "رئيس سوري" يستقبل في هذا القصر، ويبدو أن "لوبي الأسد" في بريطانيا قد لعب دوره الكبير في تنظيم هذا الحدث، يتقدمه بلا شك والد أسماء، الطبيب فواز الأخرس، الحاضر في أروقة السياسة البريطانية عبر علاقاته المتشعبة، تسانده زوجته "سحر العطري" الموظفة "الفاعلة" في سفارة النظام بلندن.
بفضل الدخل العالي لوالدها جراح القلب، عاشت "أسماء" معظم حياتها ضمن مستوى "ارستقراطي" بدءا من البيت الذي ولدت وتربت فيه، وانتهاء بالمدارس التي ارتادتها، لتصل في النهاية قصر طاغية سوريا، حيث تمت تسميتها "سيدة سوريا الأولى"، وهو لقب لم يكن معروفا ولا مستخدما مع اسم "أنيسة مخلوف" والدة بشار.
وقد ساهمت الصحافة الغربية، ولاسيما البريطانية في تسويق "أسماء" وإسباغ شتى صفات النجاح والتميز، معتبرة إياها نموذجا يحتذي للسيدات البريطانيات، فهذه الفتاة بالنهاية في نظرهم بريطانية حتى ولو كانت أصولها سورية.
وهكذا غدت "أسماء" السيدة العصرية والمصرفية الناجحة، وغدت إلى جانب ذلك –وإن بشكل غير مباشر- الفتاة الموديل التي لم تكن تحتاج لمشية القطط (مشيات عارضات الأزياء) لتكتمل صورتها، فلديها من النحول والطموح ما يعوض ذلك، وفوقهما طول جيد يناهز 170 سنتميترا، ومع ذلك فإنها "تدعمه" بأحذية الكعوب العالية، وتحديدا من علامة "لوبوتان" الباذخة.
*"العفوية" تصل باريس!
ومن لندن، حيث تربت وتعلمت والتقت ببشار الأسد، ثم سوقت معه كزوجين عصريين.. من لندن انتقلت الماكينة إلى باريس، لتدعم أوراق اعتماد "أسماء" كنموذج لا يقارن ضمن مجتمع "السيدات الأُول" من زوجات الزعماء.

ففي باريس، وقبل اندلاع الثورة بفترة غير طويلة، استقبل الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" وزوجته التي كانت مضرب المثل في الجمال والأناقة (كارلا بورني).. استقبلا بشار وأسماء على حفل غداء في أفخم فنادق باريس، من أجل ترسيخ صورة بشار وقرينته كزوجين غربيين ومنفتحين، وفي نفس الوقت غير متكلفين، وانبرت حينها إحدى أشهر دوريات باريس لتخصص تقريرا من عدة صفحات، عنونته بعبارة مثيرة للغاية "عشيقان في باريس"، مع صور تظهرهما وهما يعبران الشارع بهيئة "بسيطة" وبعيدة عن التعقيدات الرسمية، ليبدو الأمر في النهاية وكأنه مشهد "عفوي"!
ولتكتمل الصورة الواجب تسويقها، تركت الدورية الفرنسية الفرصة لأسماء كي تتحدث عن نفسها ومهاراتها وعن دراستها "الإنفورماتيك" وعملها في واحد من أشهر مصارف العالم، قبل أن تضيف: "لم أخطط للزواج من رئيس دولة. الحياة مليئة بالمفاجآت".
في تلك الزيارة إلى باريس عام 2010 كان الشغل الشاغل لأسماء وطاقمها هو "الانتقام" من زيارتها عام 2008 إلى فرنسا، حين غابت "السيدة السورية الأولى" عن اهتمام وأغلفة الصحافة الفرنسية، وسط زحام الزعماء الذين حضروا احتفالات العيد الوطني يومها (من بينهم زوجها بشار ورئيس وزراء الدولة العبرية أولمرت)، علما أن "ساركوزي" تعرض حينها لوابل من النقد على خلفية دعوته واستقباله لبشار المتهم الرئيس باغتيال رئيس وزراء لبنان "رفيق الحريري"، وهي الجريمة التي استدعت فرض عزلة على بشار الأسد ونظامه، سارع "ساركوزي" بعيد انتخابه إلى "فكها" وإعادة تعويم بشار.
اللافت أن أسماء وفريقها كانوا قد حضّروا سنة 2008 لإطلاق تحول كبير في صورة "السيدة الأولى"، وهو تحول يؤكده دبلوماسي أوروبي ويعدد مظاهره، بدءا من تغيير "اللوك" وانتهاء بتغيير التسريحة، وصولا إلى تبديل نمط الملابس والفساتين، والأهم من ذلك كله تعديل السلوك والتصرفات بما يكفل إخفاء أي معالم عنجهية أو غطرسة، ويرخي عليها قناعا من البساطة والقرب من الناس.
هذا التصور الذي تبلور عام 2008، تم العمل عليه مدة عامين تقريبا، حين تعاقدت أسماء وفريقها مع واحدة من أكبر شركات العلاقات العامة في لندن " Bell Pottinger"، التي سبق لها العمل على تلميع و"صنفرة" صورة العديد من زوجات الزعماء حول العالم.
وبمجرد توقيع عقد "العمل" تم وضع الهدف المتمثل في تقديم "أسماء" ضمن جو "العائلة الرئاسية الشابة، القريبة من الناس، المنفتحة والآسرة في نفس الوقت"، والمثير أن من تحمل التكاليف الباهظة لتحويل "أسماء" إلى أيقونة بساطة وإنسانية وانفتاح وأناقة، هم ثلة من قدامى المغتربين السوريين في بريطانيا، ممن ربطتهم علاقات بالطبيب "الأخرس" والد أسماء، وهو على ما يبدو "فاتورة" مسبقة الدفع لتسهيلات يرجح أنهم حصلوا عليها لاحقا.
*إظهار وإخفاء
وكما عملت "أسماء" وأسرتها ومعارفها على تلميع صورتها لحد التزييف، عملت مخابرات النظام وأذرعها من قبل لتسويق رواية وقوع الطبيب الذي ذهب لدراسة اختصاص العيون في بريطانيا، بحب ابنة الطبيب ذي الأصول الحمصية، وهي رواية يقول أحد المطلعين على كواليس لندن، أنها كانت "جزءا من الأسطورة"، لإتمام صفقة الزواج التي تجمع الرئيس "العلوي" بأسرة "سنية".
وقصة التقاء بشار بأسماء في لندن وتعرفهما على بعض، لم تكن القصة الوحيدة التي تم العمل عليها وعلى تظهيرها، فإلى جانب ذلك كان لابد من إخفاء بعض معالم المشهد سريعا، ومن ذلك تخلي "أسماء" عن صديقها المقرب من أيام الجامعة.
*اهتماماتها "العليا"
وعلى أي حال، فإن السنوات الأخيرة بالذات جعلت كثيرا من تفاصيل سيرة "أسماء الأخرس" محل جدل، بعد أن كانت شبه مسلمات، بداء من رواية تعرفها إلى بشار، مرورا بمقولة اتقانها للغة الفرنسية، وهي التي لم يسمعها أحد تتحدث بها حتى أثناء زياراتها إلى باريس، وانتهاء بالسجل الوظيفي الذي تم تسويقه لدعم قصة "السيدة الأولى".

اهتمت "أسماء" كثيرا ببناء صورتها في الخارج، لكنها لم تهمل صورتها في الداخل أيضا، فسلكت نفسها قسرا في نشاطات ذات أبعاد اجتماعية وتنموية، مستفيدة من مختلف إمكانات الوزارات والمؤسسات التي كانت تتسابق لوضع تلك الإمكانات تحت تصرفها، وهو ما أمن لزوجة الطاغية الدخول إلى شبكة علاقات واسعة مع المنظمات غير الحكومية وكذلك المؤسسات التابعة لكل من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي.
وهكذا تم لـ"للسيدة الأولى" بناء وجه "متحضر" للنظام العسكري القهري الجاثم على صدور السوريين منذ عقود، لكن هذا لم يدم طويلا، فما إن اندلعت الثورة السورية في طورها السلمي، حتى سقط هذا الوجه المزيف، وبدا هو والنظام عاريين تماما، أمام شلال الدم المتدفق من صدور السوريين بفعل رصاص جيش زوجها ومخابراته وشبيحته.
في تلك الأيام بالذات، كان غريبا ومستفزا لأبعد حد، أن يواصل البعض تلميع "أسماء"، وأن تقدم مجلة "فوغ" الذائعة الصيت على تصدير زوجة الطاغية بوصفها "وردة في الصحراء"، وعلى أنها سيدة الجاذبية في عالم "السيدات الأُول".
لكن كل تلك المحاولات السابقة واللاحقة، رماها كثير من السوريين وراء ظهورهم، بل إنها باتت مثارا للسخرية في نظرهم، ولم يعد هناك من تنطلي عليه منهم فكرة توزيع الأدوار وروايات من قبيل: أسماء مجبرة ولا تؤيد زوجها القاتل، أسماء رهينة ولا يسمح لها بالمغادرة ولو سمح لها لغادرت دون رجعة، بل ولربما أعلنت انشقاقها... وقد غدت هذه الروايات ممجوجة منذ سنوات طويلة، وبالتحديد من يوم التسريب الضخم للبريد الإلكتروني الخاص بمراسلات بشار، وهو الذي أظهر –فيما أظهر- أن للسيدة الأولى اهتمامات "أعلى" من إيقاف الذبح ومعارضة الجزار، تتمثل في تسوق الأحذية باهظة الثمن، في محاكاة ممسوخة لتاريخ "ماري أنطوانيت".
وإذ سقطت صورة "أسماء"نهائيا من عيون ووعي فئة من السوريين، فقد بقيت فئة أخرى لابد من متابعة "التسويق" في أوساطها، من أجل ذلك كله برز نشاط أسماء في زيارة ومواساة و"دعم" أسر قتلى نظامها، واللقاءات المتكررة بأرامل وأمهات هؤلاء القتلى، وزيارة المعطوبين من جيش زوجها، مع متابعة عملها فيما يسمى "الأمانة السورية للتنمية".
وبنفس "العفوية" التي التقطت لها صورا في باريس ذات يوم، يتم التقاط صورها وهي تقود سيارتها الصغيرة في شوارع دمشق، لتباغت "الناس العاديين" هناك.
*شهوة لا تنقضي
وأخيرا أتت مرحلة الإعلان عن إصابة "السيدة الأولى" بالسرطان، وهو بالمناسبة إعلان غير مسبوق لدى نظام اعتاد أن يرى مرض الزعيم أو أحد أفراد عائلته عارا يجب ستره أو سرا عسكريا خطيرا ينبغي عدم إفشائه.
ويبدو أنه حتى هذا المرض الخبيث والمميت لم ينس "أسماء" وفريقها ضرورة العمل على "الصورة"، فما زالت "السيدة الأولى" قادرة على الظهور بأشكال وألوان من "أغطية الرأس" لإخفاء فقدان شعرها جراء العلاج الكيماوي، وما زال لديها وهو –الأهم- شهوة غريبة للصور والاستعراض، حتى إن من النادر أن يغيب مصوروها المعتمدون عن أي حدث تشهده مهما كان بسيطا، وكأنها ترفض وبشدة سقوط "أسطورتها" التي حيكت بعناية و"حرفية" حتى خيل لصاحبتها ولمن حاكها أن لن تسقط أبدا.
إيثار عبدالحق-ترجمة- زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية