قيل الكثير في اليوميين الماضيين عن التغييرات الأخيرة التي طالت أعلى قيادات أجهزة مخابرات النظام، لكن أكثر ما يلفت انتباهك في هذه التحليلات، هو اعتبار هذه التغييرات على أنها بداية النهاية لحكم آل الأسد، من خلال ما اعتبر على أنه استبدال المجرمين المحترفين الكبار، بمجرمين أقل حرفة وصنعة من الذين تم إبعادهم.
والبعض الآخر اعتبر هذه التغييرات بأنها روسية بحتة، تهدف لتقليم أظافر النظام الأمنية، والتخفيف من سطوته على الشعب السوري، وصولا إلى التغيير المنشود، والذي طال انتظاره لأكثر من ثماني سنوات.
لكن للأسف، لا نملك من المعلومات ما يجعلنا نحتفل بهذا التغيير المخابراتي في جسم نظام الأسد، وكل ما يقال من أن ذلك بداية النهاية لحكم آل الأسد، إنما هو محض أمنيات، وافتراء من قبل من يوهمون غيرهم بأنهم يملكون معلومات تؤكد بأن الروس وبالتشاور مع الأمريكان والإسرائيليين، اتخذوا قرارهم بتغيير النظام في القريب العاجل، أو على الأقل إزالة بشار الأسد، تمهيدا لفرض الحل السياسي على جميع الأطراف في سوريا.
واسمحوا لي في هذه السطور أن أقدم رؤيتي لواقع هذه التغييرات الأمنية في النظام، أو غيرها من التغييرات التي حدثت في فترات سابقة، في الجسم العسكري على وجه الخصوص، وبما في ذلك التغييرات في مستوى الخطاب الحكومي، الذي انتقل من الحديث عن الانتصارات الباهرة، إلى التعبير الصريح عن الضجر من الأزمات الاقتصادية الخانقة التي بدأ يعانيها النظام وتهدد وحدته وبنيته الأساسية.
من وجهة نظري، إن النظام لم يعد يهتم من كل ما يجري حوله، سوى بحماية رأسه ونفسه، وذلك في ظل تحولات داخلية وخارجية، تشير إلى أن الصراع في سوريا وعليها، سوف تزداد حدته في الفترة القريبة القادمة، وخصوصا، مع سعي الإيرانيين المحموم، لمواجهة العقوبات الاقتصادية الأمريكية، والتي تستهدف موتهم ببطء شديد.
لذلك فإن إيران تريد الوصول إلى البحر المتوسط بأي ثمن، حتى لو كلفها ذلك المواجهة العسكرية المباشرة مع "أمريكا" و"إسرائيل"، والمتابع لتطورات هذا السعي الإيراني، سوف يكتشف، أنها عقدت خلال ثلاثة أشهر، أكثر من خمسة اجتماعات، معظمها في طهران، مع مسؤولي النقل في العراق وسوريا، وأخبرتهم مؤخرا، أنها سوف تبدأ بمد خطوط النقل الطرقي والسككي عبر هذين البلدين بأسرع ما يمكن، على أن يتم الوصول إلى البحر المتوسط، منتصف العام القادم على أبعد تقدير. النظام، أو بشار الأسد، يدرك من جهته، خطورة السماح لإيران بتنفيذ هذا المشروع، الذي يواجه معارضة أمريكية إسرائيلية على حد سواء، وبنفس الوقت، لا يريد لإيران أن تتخلى عنه في حال أعلن رفضه له، بسبب عدم وثوقه بالموقف الروسي الذي أخذ يظهر قربا من الموقف الإسرائيلي والأمريكي، لهذا، أغلب الظن، فإن بشار الأسد، بدأ يستعد بتحصين نفسه بمجرمين جدد، أكثر ولاءً له من المجرمين القدماء، الذين أصابهم الإنهاك من جهة، وزادت سلطاتهم من جهة ثانية على حساب سلطة القصر الجمهوري ذاته من جهة أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مشروع التقسيم، بات اليوم هو الطاغي على المشهد السوري كأمر واقع مفروض خارجيا، وليس كرغبة حقيقية، من النظام أو المعارضة..والتقسيم هنا، قد لا تتضح معالمه القاسية قريبا، أي من خلال الاعتراف به دوليا، وإنما هو مخطط تعمل عليه الدول الكبرى لسنوات طويلة قادمة، وبموافقة إيران وتركيا بالدرجة الأولى، وما يختلفون عليه حاليا، هو موضوع الحصص ..إذ إن كل طرف يعتقد بأن حصته يجب أن تكون أكبر مما يتم تقديمه له.
أعتقد كمحصلة، بأن بشار الأسد يشعر اليوم بأنه بين فكي ضبع، هما إيران وروسيا، وهو يسعى لملاعبتهما وملاطفتهما، كي لا يفترسه أحدهما.. والأهم أنه لجأ إلى هذه التغييرات في أعلى قيادات أجهزة مخابراته، في اللحظة التي بات الجميع في غفلة عنه، وأصبحوا منشغلين في صراعات أكبر منه بكثير.. ما يريد بشار الأسد توصيله بالضبط، لجميع الأطراف، الداخلية والخارجية، أنه منسحب إلى حدود قصره، ولا يطلب سوى النجاة بحياته، ومن ثم خذوا ما تشاؤون من سوريا.. لا أحد ينكر، فإن إيران هي التي تتحمل اليوم معيشة النظام ونفقات مصروفاته على حكومته.. لذلك فإن الساحة الداخلية حكما ستكون لها، وهي في المحصلة لا تبحث عن حصص مرسومة على الأرض، وإنما تريد أغلب سوريا، وكل جسم النظام، وأن يبقى على حاله دون تغيير. أما الروس الذين حصلوا على كل ما يتطلعون إليه في سوريا والمنطقة، فهم لا يخفون مناقشتهم بين الفترة والأخرى، لمستقبل بشار، وأنهم في بعض الحالات ينظرون شزرا إليه .. لهذا السبب، قرر بشار زيادة التحصينات حول نفسه … والعلم عند إسرائيل وأمريكا.
بشار الأسد بين فكي ضبع.. فؤاد عبد العزيز*

*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية