محاولات النظام لتقديم رجالات المخابرات، على أنهم لا يختصون بالقتل والتعذيب فقط، وإنما يفكرون ويناقشون، بدأت بشكل فعلي قبل موت حافظ الأسد بسنوات قليلة، ويقال إن بشار الأسد، طلب في العام 1998 من رؤساء الإدارات والفروع الأمنية، أن يحاولوا الانفتاح على المجتمع، وأن يجبروا أنفسهم على سعة الصدر التي لا يتمتعون بها.
في تلك الفترة كانت تربطني صلة صداقة بعنصر مخابرات، كان يعمل سابقا في مكتب بهجت سليمان، وكان ينقل لي بشكل يومي تقريبا، التوجيهات التي يتلقونها، بضرورة تحسين صورتهم أمام الناس، وأن يتوقفوا عن إرعابهم.
بالنسبة لبهجت سليمان، الذي أفنى حياته في القتل والإجرام، كان أكثر رجال المخابرات تجاوبا مع هذه الدعوة، على أنها استراحة محارب، مدعوما بالطبع بصلة الود التاريخية الإجرامية التي تربطه بحافظ الأسد، والتي رأى أنها لن تنقص من هيبته وسطوته شيئا.
كانت النكتة السمجة التي ألبسها النظام لبهجت سليمان، أنه صديق المثقفين وأنه منفتح على الحوار معهم، لكن يا للغرابة، فقد انتهى المآل بأغلب هؤلاء المثقفين الذين انفتح عليهم سليمان، إلى السجون والمعتقلات، وذلك في فترة مبكرة من حكم بشار الأسد.
غير أنه من جهة ثانية، كان إخراج "بهجت سليمان" من ثوب رجل المخابرات، وإلباسه ثوب المثقف، بمثابة الفخ الذي وقع به، لأنه انتقل بعدها، من لاعب أساسي في النظام ، كان له دور مهم في إرساء حكم حافظ الأسد ومن ثم تأهيل بشار الأسد للرئاسة، إلى مهرج رخيص وعلاك، لا يملك أكثر من صفحة "فيسبوك"، تحمل اسم "خاطرة أبو المجد"، ويحاول من خلالها أن يتزلف للنظام الذي استبعده من الواجهة، وإظهار نفسه على أنه لازال من المساهمين في رسم سياساته المحورية.
وبحسب الكثير من المتابعين، فإن بهجت سليمان هو الرجل الوحيد القوي في نظام الأسد، الذي تم التخلص منه بالثقافة، بينما انتهى الحال بأقرانه من رجال المخابرات، وممن لعبوا دورا في تاريخه الإجرامي، إما إلى الانتحار أو الموت في ظروف غامضة.
يتكئ اليوم بهجت سليمان، الذي تقول سيرته الذاتية، إنه يحمل، زورا وبهتانا، دكتوراه في الاقتصاد السياسي منذ العام 1982، على تاريخ حافل بالفساد والإجرام، إلا أنه من جهة أخرى، يحاول في كتابته أن يظهر مسحة إيمانية فلسفية جدلية، هي أقرب لمفهوم العاهرة التي تحاضر بالشرف بعد التوبة.. لكن هيهات لمجرم ارتكب كل هذه الموبقات في حياته أن تنظفه كل بحور الأرض، لدرجة أنه حتى المؤيدين للنظام، لا يلقون بالا لما يكتب، ويتعاملون مع هرطقاته على أنها صادرة عن شخص "خرفان"، انتهى دوره منذ فترة طويلة، ولم يعد صالحا للاستعمال.
والمتابع لصفحة "خاطرة أبو المجد" سوف يكتشف هذا الإحساس الخطير داخل الرجل، والذي لا يتوانى عن الحديث عن انتصار النظام على المؤامرة الكونية، بصيغة الـ"نحن"، وهو يحاول أن يوحي في مرات كثيرة، أنه جزء أساسي من العاملين في مطبخ النظام الأمني والعسكري، ويكاد بشار الأسد لا يتصرف بأي شيء دون أخذ مشورته ورأيه، الاستنارة بفكره..
لكن الوقائع تقول، بأن بشار الأسد بدأ في التخلص من بهجت سليمان بعد العام 2005، في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، والذي يشتبه بأنه كان من منسقيه أو على إطلاع مسبق بكل تفاصيله .. وتم استبداله في ذلك الوقت بمجموعة آل ناصيف، محمد ناصيف وفؤاد ناصيف، الذين تولوا موقعه في رئاسة فرع الأمن الداخلي، بعد عزله..ثم جرى إبعاده عن البلد في العام 2009، من خلال تعيينه سفيرا للنظام في الأردن .. وهو الموقع الذي كان يشعر سليمان أنه أقل بكثير من إمكانياته، ولا يتناسب مع الخدمات الجليلة التي قدمها للنظام، ناهيك عن المؤلفات والكتابات الكثيرة التي سطرها، تارة في فكر حافظ الأسد، وتارة أخرى في الحديث عن باسل الأسد الذي لقي حتفه في العام 1994..
لذلك يعيش بهجت سليمان اليوم، هذه الحالة الوسطى، بين رجل انتهى عهده ودوره بالفعل، وبين رجل لا يريد أن يموت كالبعير.. وهو ما يجعلنا نقرأ ونسمع منه كل هذه الترهات والسخافات..
لذا، تحملوا الرجل مهما يكن، فهو الآن في السبعين من عمره، ولا بد أن يأخذ الله أمانته .. عاجلا أم آجلا .. !
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية