كثرت في الآونة الأخيرة التحليلات التي تتحدث عن دور الغاز في كل ما تتعرض له سوريا من تصارع لقوى دولية وإقليمية على أراضيها، مشيرين إلى أن المشكلة بدأت بشكل فعلي، في العام 2009، عندما رفض نظام الأسد مد خط أنبوب غاز من قطر إلى البحر المتوسط، عبر سوريا، من أجل إيصاله إلى أوروبا، وأن هذا الرفض جاء بدفع من الروس، المتحكمين بإمدادات الغاز إلى الدول الأوروبية.
ويؤكد هؤلاء المحللون، أن التدخل الروسي في سوريا في نهاية العام 2015، والسيطرة على البحر المتوسط، جاء بعد أن أفشلت أمريكا مشروع خط السيل الجنوبي الذي كان من المقرر أن ينقل الغاز من روسيا إلى إلى أوروبا عبر البحر الأسود إلى أوروبا الشرقية، حيث أقنع الأمريكان بلغاريا بعدم السماح بمد الخط عبر أراضيها، وهو مشروع كان من المفروض أن يتم الانتهاء منه في العام 2014، وهو ما دفع الروس في ذات العام لاحتلال شبه جزيرة القرم نكاية بأمريكا.
وفي المقابل قامت روسيا بإفشال مشروع خط "نابكو" للغاز، الذي ينطلق من بحر قزوين عبر الأراضي التركية إلى أوروبا الغربية، وتدعمه الولايات المتحدة من أجل الاستغناء عن إمدادات الغاز الروسي، حيث عمدت موسكو، وقبل الانتهاء من المشروع في العام 2013، إلى شراء كامل غاز كازاخستان، المزود الرئيس لخط أنابيب غاز "نابكو".. حيث تكبدت تركيا خسائر بأكثر من 30 مليار دولار.
وبعد أن دخلت روسيا إلى سوريا وسيطرت على البحر المتوسط، اتفقت مع إيران على استخراج غازها ومد خط أنابيب عبر العراق إلى البحر المتوسط، على أن تتولى روسيا مهمة بيع الغاز إلى الدول الأوروبية، وهو الأمر الذي دفع أمريكا، بحسب هؤلاء المحللين، إلى معاقبة إيران ومنع شركة "توتال" الفرنسية من الاستمرار في عمليات استثمار حقل فارس، بالإضافة إلى أن أمريكا قامت بخلق تنظيم "داعش" في المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق من أجل أن تسمح لنفسها بالتدخل وتمنع أي مشروع مستقبلي لإيصال الغاز من إيران إلى سوريا، ثم بعد أن قضت على تنظيم الدولة الإسلامية، استبدلته بقوات سوريا الديمقراطية، للقيام بنفس الدور ونفس المهمة.
إذا، وكما يبدو فإن أمريكا وروسيا، تلعبان لعبة القط والفأر، والصراع في جوهره على أوروبا الغربية وليس على سوريا، حيث ترى أمريكا أنه إذا ظلت روسيا تتحكم بإمدادات الغاز إلى أوروبا، فهذا سوف يدفعها مستقبلا للتحكم في قرارها السياسي، وتفرض نفسها كقوة عظمى، وفي المقابل ترى روسيا أنها لا يمكن أن تعود إلى سابق عهدها كدولة ند للولايات المتحدة الأمريكية، إلا إذا أخضعت أوروبا عبر الغاز، وبالتالي هذا سوف يقص أبرز أجنحة أمريكا في العالم، ويجعلها تقبل بالنفوذ الروسي إلى جانبها.
وهناك من يرى أن ظهور الغاز في البحر المتوسط، قبالة الشواطئ المصرية والإسرائيلية واللبنانية والقبرصية واللبنانية، بما فيها السورية، سوف يلعب دورا كبيرا في التخفيف من اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، إلا أن الحقيقة التي لا يعرفها أحد، أن احتياطي الغاز المكتشف في جميع هذه الشواطئ، لا يساوي ربع احتياطي قطر من الغاز، وهو بالكاد يكفي حاجة الدول المكتشف فيها لمدة عشرة أعوام، أما موضوع تصديره إلى أوروبا، فهو ليس ذا جدوى اقتصادية إذا قامت كل دولة بتصديره لوحدها… لذلك سارعت مصر إلى بناء مصنعين للغاز المسال، بمساعدة شركة "إيني" الإيطالية، في خطوة تهدف لشراء الغاز من جميع الدول على البحر المتوسط ومن ثم تصديره إلى أوروبا .. أي أنها باختصار تسعى لأن تكون مركزا إقليميا لتجارة الغاز، وهو الأمر الذي يفسر رضا الدول الأوروبية وأمريكا على مصر، ودعم الرئيس عبد الفتاح السيسي، رغم كل ممارساته القمعية بحق شعبه.
لكن يبقى السؤال الآخر المهم من أجل فهم باقي ما يجري في المنطقة، وهو: ما علاقة الإمارات والسعودية وإيران وتركيا وإسرائيل والأردن في كل ما يجري في المنطقة .. ؟ وهل صراع هذه الدول مع بعضها، وعلى سوريا، له علاقة بموضوع الغاز، أم أن هذا موضوع آخر..؟
باختصار، بعد أحداث 11 سبتمبر في العام 2001، بدأت أمريكا بالبحث عن دولة أخرى قادرة على قيادة العالم الإسلامي السني بدلا من السعودية، التي ثبت تورط مواطنيها في تلك الأحداث، فاتجهت أنظارها، أي أمريكا، إلى تركيا، حيث قامت بدعم التجربة الديمقراطية التي أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وهو ما جعل السعودية تنظر بعداء إلى تركيا منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم .. والأمر ليس له علاقة أبدا بجماعة الأخوان المسلمين وبدعم تركيا لها.
وقد سعت السعودية كثيرا مع الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل أن تعود لها مكانتها الدينية كزعيمة للعالم الإسلامي السني، إلا أن تجاهل الإدارة الأمريكية لها، بلغ ذروته في عهد الرئيس باراك أوباما، عندما اختار القاهرة وليس الرياض في العام 2009، لكي يخاطب العالم الإسلامي.
وعندما جاء ترامب إلى السلطة مطلع العام 2017، حاولت السعودية عبر إغرائه بالمال والاستثمارات، من أجل أن يعيد إليها مكانتها الإقليمية، لذلك نلاحظ عندما زار ترامب السعودية مطلع ذلك العام، قامت باستدعاء زعماء أكثر من خمسين دولة إسلامية إلى الرياض، وعقد قمة لهم بحضور الرئيس الأمريكي، ولكي تؤكد له بأنها لاتزال زعيمة العالم الإسلامي السني.
وهنا بدأ ابتزاز الرئيس ترامب للسعودية، بداية عبر تصفية القضية الفلسطينية من خلال صفقة القرن، وثم توجيه الصراع العربي بدلا من أن يكون مع إسرائيل، إلى إيران.
ولا بد أن نشير هنا إلى أن السعودية، تضررت كثيرا من سياسات الرئيس السابق أوباما، الذي كان قد أعلن لدى توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية مطلع العام 2009، أي بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008، عن عزم بلاده الانسحاب من مشاكل منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، إلى التفرغ لمحاربة الصين اقتصاديا، وذلك في أعقاب بيانات أظهرت تراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية، من مسيطر على 40 بالمئة من التجارة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، إلى 20 بالمئة فقط في العام 2005، وكل ذلك كان لصالح الصين.
لذلك شعرت السعودية والإمارات، ولأول مرة أنها بلا حماية أمريكية، وسط تهديدات إيران المتزايدة بإثارة المشاكل داخلها، وهو ما بدا جليا مع مطلع العام 2015، عندما استطاع الحوثيون في اليمن السيطرة على العاصمة صنعاء وميناء الحديدة الحيوي، بدعم من إيران . .. ما يعني تهديدا مباشرا لدول الخليج العربي.
لقد حاولت السعودية جهدها في ذلك التاريخ، أن تجد حليفا إقليميا بدلا عن الولايات المتحدة الأمريكية، التي رفضت الاشتراك بشكل مباشر في حرب اليمن.. فتوجهت إلى باكستان، لكنها لم تلق الدعم، فما كان منها إلا أن تخلق هذا الحليف الإقليمي، والذي وجدته هذه المرة بمصر، ممثلا بالرئيس عبد الفتاح السيسي.
وكلنا يذكر أن العلاقات بين مصر والسعودية والإمارات في أعقاب تسلم السيسي الرئاسة، لم تكن على ما يرام، ووصلت في العام 2014 إلى حد التراشق الإعلامي بين الجانبين.
لقد دفعت مصر والإمارات، أموالا طائلة لمصر على التسليح العسكري، وصلت إلى أكثر من 40 مليار دولار، من أجل أن تلعب هذا الدور الإقليمي المدافع عن دول الخليج، لكنه تبين لها فيما بعد أن السيسي يبتزها مقابل المال فقط، بالإضافة إلى أن مصر غارقة بمشاكلها الداخلية التي لن تنتهي منها لسنوات طويلة.
لهذا مع مجيء ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وجدت السعودية والإمارات بارقة أمل، بعودة أمريكا للعب دور الحامي والمدافع عن دول الخليج.. لكن كما ذكرنا، فإن ترامب أخذ يبتزها عبر اسرائيل، بضرورة تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، مبديا استعداد بلاده لعودة الاهتمام بدول الخليج، فيما لو توجه الصراع نحو إيران.
أما إيران، الباحثة عن الاعتراف بدورها، كلاعب إقليمي إلى جانب الدول الكبرى، فهي الأخرى لا تجد نفسها قادرة على انتزاع هذا الدور، إلا من خلال تهديد حلفاء أمريكا في المنطقة، سواء دول الخليج العربية، أو إسرائيل .. ومن هنا يمكن فهم "استكلاب" إيران على البقاء في سوريا والوصول إلى البحر المتوسط، لأنها تعتقد أن ذلك سوف يجبر الولايات المتحدة الأمريكية على التفاوض معها والرضوخ لطلباتها، ورفع العقوبات عنها.
وأخيرا، نصل إلى تركيا وموقعها في هذا الصراع، فهي الأخرى، وقعت ضحية لخديعة الغرب لها، أمريكا وأوروبا، الذين أمدوها بديون طائلة ظنا منهم أن ذلك سوف يغرقها، ولن يجعلها تتهيأ الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، كما هو الوعد في العام 2013، إلا أن تركيا فاجأتهم، بأنها استطاعت أن تلبي متطلبات الانضمام لهذا الاتحاد في الوقت المحدد، فما كان من الدول الأوروبية، إلا أن رفضت، وأخذت تضغط على تركيا عبر إثارة المشاكل لها، تارة عبر صنع انقلاب، وتارة أخرى عبر ضرب الليرة التركية، وكل ذلك من أجل لا تصل مرتاحة إلى العام 2023، وهو العام الذي تنتهي فيه معاهدة لوزان بعد الحرب العالمية الأولى، والتي قامت على أساسها جمهورية مصطفى كمال أتاتورك .. حيث سوف يحق لتركيا ببلوغ هذا التاريخ، حق الانتفاع من المضائق بين البحر الأسود والبحر المتوسط، مثل مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل، ومن ثم حق التنقيب عن النفط والغاز في أراضيها، والتي تمنعها معاهدة لوزان الموقعة في العام 1924.
ولتجنب الضغوط الغربية والوصول إلى العام 2023 بسلام، عمدت تركيا إلى تغيير نظامها السياسي إلى رئاسي، مع إعطاء صلاحية أكبر لرئيس الجمهورية، لاقتناعها بأن المرحلة القادمة تتطلب مركزية، وحتى ديكتاتورية، ومن جهة ثانية قامت بالتحالف مع روسيا، العدو اللدود للغرب، من أجل تأمين المزيد من الحماية لنفسها، ورد الضغوط عنها.
من كل العرض السابق، نجد أن سوريا ليست طرفا في هذا الصراع على الإطلاق، وإنما ساحة تم اختيارها بعناية لتصفية حسابات جميع هذه الدول مع بعضها البعض.
لهذا يرى الكثير من المراقبين، أن هذه التركيبة المعقدة للوضع الدولي في منطقة الشرق الأوسط، لا يمكن أن تمر على خير.. وأن الحرب قادمة لا محالة. والبداية سوف تكون بتقليم أظافر إيران، والتي ترى أمريكا أن ذلك سوف يؤدي إلى تقليم أظافر جميع أظافر الدول الأخرى المتحالفة معها، بما فيها روسيا وتركيا.
ولا ننسى أخيرا، أن من يسيطر على حقل غاز فارس في إيران، فسوف يسيطر على ربع الاحتياطي العالمي من الغاز .. ولتذهب سوريا إلى الجحيم ..
*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية