أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الصراع على سوريا بين إيران والروس*

من يتابع كتابات الصحفي اللبناني خضر عواركة يشعر بأن هناك مشكلة شخصية بينه وبين رجل الأعمال المثير للجدل "سامر الفوز"، فهو منذ ظهور اسم هذا الأخير على الساحة مطلع العام 2017، لا يكف عن تلفيق الإشاعات بحقه، تارة يتهمه بالنصب على إيران بمبلغ 500 مليون دولار، وتارة أخرى يصفه بأنه رجل الروس الذين ينوون توليته رئاسة سوريا بدل بشار الأسد.


ومؤخرا، نشر عواركة إشاعة هرب سامر الفوز بعد أن سحب أموالا طائلة من البنوك السورية وفر بها إلى الإمارات.. ومن أجل حبك قصته التي كذبها الفوز على الفور، ادعى بأن نائب رئيس الوزراء الروسي، عندما زار بشار الأسد قبل أيام ، حذره من المساس بـ"سامر الفوز" وبأنه خط أحمر بالنسبة إليهم، أي للروس.


إذا القصة وباختصار، وحتى لا نطيل عليكم، أن إيران تريد أن تقسم الموالين للنظام إلى نوعين، نوع موالٍ للروس ويخدم مصالحهم، وهؤلاء يمثلون كل من لا يمت لطائفة النظام بصلة من المسؤولين ورجال الأعمال، والثاني موالٍ لإيران، وهم أبناء الطائفة العلوية، الذين يعتبرونهم أكثر وطنية من التيار الأول.


ويؤيد إيران في هذا التصنيف الكثير من أصحاب القرار داخل النظام، وعلى رأسهم اللواء "بهجت سليمان"، وأغلب الجهاز المخابراتي، أو يستخدمون لنشر هذه الفكرة وتعميمها، خضر عواركة، الذي لا يقتصر هجومه على سامر الفوز فحسب، بل على كل رجال الأعمال المقربين من النظام من غير أبناء الطائفة العلوية، مثل محمد حمشو وسامر الدبس ومحمد السواح والأخوين قاطرجي في حلب وجورج حسواني وسواهم الكثير .. فهو يرى فيهم الذئاب الاقتصادية التي تنام في حضن النظام، والتي سوف تنقلب عليه لاحقا، مثلما فعل عبد الحليم خدام وأبناؤه، وأبناء مصطفى طلاس وغيرهم.


وقد سبق لخضر عواركة أن شن هجوما شرسا، على لونا الشبل، واعتبرها الجاسوسة التي تجلس في حضن بشار الأسد، كما شن هجوما على جورج حسواني، أحد المقربين من عائلة الأسد، والذراع الطولى لشركة "ستروي ترانس غاز" الروسية في سوريا، واعتبره كذلك، أكثر ولاء لروسيا، من ولائه لبلده.


وما يريد عواركة الوصول إليه عبر هذه الكتابات، هو القول بأنه إذا ما أراد النظام السوري النجاة وحكم المنطقة، عليه أن يعلن مباشرة تبعية سوريا بالكامل لدولة المرشد، وعلى غرار ما فعل حسن نصر الله صاحب ميليشيا حزب الله في لبنان.


الخطير في الموضوع طبعا، أن كتابات خضر عواركة تلقى صدى واسعا بين أغلب أبناء الطائفة العلوية ومثقفيها، وخصوصا على وسائل التواصل الإجتماعي، فهم يتداولونها كدليل دامغ على أن الآخرين المحيطين بالنظام من الطوائف الأخرى، إنما هم خونة وعملاء، وهم من يسرقون خيرات البلد ولقمة الشعب السوري ويجوعونه، وهؤلاء يجب أن لا يثق بهم النظام، لأنه لديهم الاستعداد للانقلاب عليه أو التخلي عنه في أي لحظة، وذلك عندما تتوقف مصالحهم أو يستشعرون قوة حليفهم الروسي.


خلاصة الحديث، أن الصراع الروسي الإيراني داخل سوريا، بدأت تستخدم فيه إيران سلاحها القذر، وهو المزيد من تفتيت المجتمع السوري، وتصوير أولئك الذين لا ينتمون إلى الطائفة العلوية، من المسؤولين الحكوميين الكبار ورجال الأعمال، على أنهم عملاء لروسيا، ويجب الحذر منهم باستمرار.


هي لجأت إلى هذا الخيار، بعد أن استشعرت قوة الروس وسيطرتهم على كل مقدرات البلد الاقتصادية، بما فيه القرار السياسي، وانصياع بشار الأسد لهم، لذلك تسعى إيران لخلق تيار داخل الطائفة العلوية، يرى بأنه لم تكن روسيا لتقوم بكل بذلك، لولا مساعدة عملائها من أبناء الطوائف الأخرى الذين يعملون داخل النظام .. وفي مرحلة تالية، تريد إيران أن تحذر بشار الأسد ذاته، بأنه إذا تمادى في ذهابه مع الروس على حساب الإيرانيين، فإنهم قادرون على خلق معارضة له من داخل طائفته، وهؤلاء بدأوا يشكلون رأيا عاما، يتداولونه على وسائل التواصل الاجتماعي، وتقوده كتابات خضر عواركة.. وحتى لا نقلل من خطورة ما يجري، فإن الصراع داخل الطائفة العلوية، بدأت تلوح عوارضه في الأفق، بين عائلة الأسد ذاتها، وبين باقي أفراد الطائفة من العوائل الأخرى .. وهو صراع سوف يتطور لاحقا، لكي يصبح بين أبناء الطائفة وبين باقي مكونات الشعب السوري.


باختصار، ما تخطط له إيران خطير جدا، ويجب أن لا نستهين به أو نفرح عندما نتابع أخبار الصراع والمواجهات بين أفراد عائلة الأسد والعوائل الأخرى في القرداحة

 على سبيل المثال .. لأنه صراع، في صورته الكلية، يعكس رغبة إيران بجلب متشددين من أبناء الطائفة العلوية، ومحملين بأفكار، تريد أن تلغي باقي مكونات الشعب السوري، وصولا إلى حرب أهلية طاحنة فيما بينهم.


وهذا بالطبع لا يعني أن بشار الأسد، أكثر علمانية من أبناء طائفته، لكنه يعلم أن إيران تريد أن تحوله إلى زعيم طائفة وميليشيا، مثل حسن نصر الله، بينما في هذا المجال، هو أكثر قربا من الروس ويعطيهم ما يشاؤون لأنهم يريدونه أن يبقى رئيسا على سوريا كلها.


لكن هذا لا يعني بأن الصراع يمكن أن ينتهي بسهولة، وخصوصا أن أكثر من 90 بالمئة من قيادات الجيش والمخابرات، هم من أبناء الطائفة العلوية، وهؤلاء باتوا يميلون إلى إيران، ويرون المشروع الروسي في سوريا، بأنه خطر يتهدد قوتهم ووجودهم، وبأنه يعمل لصالح دعم باقي الطوائف الأخرى على حساب الامتيازات التي يتمتعون بها.


لذلك لا نستبعد في المرحلة التالية، أن يتجه التجييش نحو شخصية بشار الأسد ذاته ونظامه وعائلته .. وهي مرحلة نؤكد، أنها قادمة لا ريب فيها، وما علينا سوى الانتظار قليلا.

*فؤاد عبد العزيز - من كتاب "زمان الوصل"
(226)    هل أعجبتك المقالة (234)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي