أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الثوار بعد مصالحة النظام.. فؤاد عبد العزيز*

درعا - جيتي

خطر لي أن أزور صفحات بعض الأصدقاء الذين لازالوا داخل سوريا، وكانوا في فترات سابقة من الثوار الأشداء، ثم بعد أن دخلت مناطقهم في مصالحات مع النظام تواروا عن الأنظار، وبقيت صفحاتهم لتدون لحظات انقطاعهم عن الثورة، كل بحسب تاريخ مصالحة منطقته مع النظام.

الزيارة أغرتني لأن أتواصل مع أحد هؤلاء الأصدقاء، بعدما علمت من بعض المقربين، أنه يجاهد من أجل أن يعيدوه إلى عمله ووظيفته السابقة لدى النظام، متخليا عن انتمائه الجارف للثورة، الذي لاتزال تدونه صفحته.

قال لي: لقد باعتنا الثورة بثمن بخس يا صديقي، وتركتنا عرضة للنهش من قبل أعوان النظام، الذين صاروا يتقصدون إذلالنا على الطالعة والنازلة.

وروى لي كيف طلبوا منه، وفي إطار تسييره للأوراق الخاصة بعودته لعمله السابق، أن يراجع أحد الأفرع الأمنية.. فقال: عندما ذهبت، تبين لي أن الشخص الذي سأقابله، كنت على معرفة جيدة به سابقا، فهرولت نحوه مادا يدي للسلام عليه مع ابتسامة عريضة في محاولة لامتصاص حقارته، وأضاف: كانت النتيجة أنه استقبلني على الفور بكف على وجهي مثل فراق الوالدين، ثم زعق في وجهي قائلا: تريدني أن ألمس يدك الملوثة بالخيانة يا حيوان.

كان صوت صديقي الذي تجاوز من العمر الخمسين عاما، حزينا ومكسورا، وهو يروي لي أصداء الكف على كيانه، لدرجة شعرت وكأن الكف يلطم وجهي.

تذكرت في هذه الأثناء، صوره على صفحته الشخصية في فيسبوك أثناء تصفحي لها، والتي تعود إلى سنوات سابقة، حيث كان في إحداها يتلحف علم الثورة رافعا رأسه ويده إلى الأعلى مع ابتسامة حقيقة تكسو كامل وجهه، وفي صورة أخرى يشارك فيها في إحدى المظاهرات، وثالثة، أثناء زيارته لإحدى كتائب الجيش الحر، ويتحدث فوقها عن المعنويات المرتفعة لهؤلاء المقاتلين.

شعرت أن زمنا هائلا مر على هذه الصور، بينما الشخص الذي يتحدث معي الآن، ما هو إلا بقايا روح، ليس مستبعدا أن يلفظها قهرا في أي لحظة.

ثم في محاولة لإعادة الروح إلى ذاته التي تهاوت أمامي، أضاف: على فكرة، الكل هنا أذلاء..حتى مدراء المؤسسات والمسؤولين الذين كنت تعتقد أنهم كبار في السابق، هم يوميا يتعرضون لشتى الإهانات على الحواجز ومن عساكر بأعمار أحفادهم، قلما تجد أحدا لم يتعرض لضربة كف أو بصاق على وجهه، مرة واحدة على الأقل..ثم ختم قائلا: لكن كل ذلك بكفة، وإنزال الناس على الحواجز وإكراههم على الهتاف لبشار الأسد بأعلى صوتهم، كفة أخرى .. مشهد لا بد أن يجعلك تغشى من الضحك.

وبالفعل غشيت من الضحك..ليس على المشهد، وإنما على صديقي، الذي تخيلته على الفور في صورتين متناقضتين تماما، مرة ثائرا، ومرة أخرى منحبكجيا..!

وفي العموم، أخشى أن نضحك كثيرا بعد اليوم .. لأننا حتما سوف نتهم بالجنون.

*من كتاب "زمان الوصل"
(227)    هل أعجبتك المقالة (246)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي