أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"مبدعون" أفسدتهم السلطة... فؤاد عبد العزيز*

نبيل صالح - أرشيف

أول مرة تعرفت على اسم نبيل صالح، كان في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، عندما كنت أتردد على جميع بائعي الكتب في دمشق، بحثا عن النادر والرخيص منها.

يومها أخبرني أحدهم أن كاتبا شابا يدعى نبيل صالح، يمر بأزمة مالية خانقة ويريد بيع كامل مكتبته بمبلغ زهيد.. وعندما اطلعت في اليوم التالي على المكتبة، فوجئت أنها كانت تضم عناوين مهمة ونادرة، فاستغربت كيف يطاوعه قلبه على بيعها!

أما اللقاء الفيزيائي بنبيل صالح، فكان في نهاية التسعينيات، عندما بدأ العمل في جريدة تشرين .. يومها ذكرته بقصة المكتبة، فأنكرها بالكامل، وأنكر أن يكون من الأشخاص الذين يبيعون كتبهم، فعرفت أن الرجل لا يريد أن يتذكر ماضيه الحقير، فغيرت الموضوع على الفور وأوحيت له بأنه ربما بالأمر كان "تشابه أسماء" .

في تلك الفترة، كانت آثار الفقر والطفر والتعتير لاتزال عالقة بنبيل صالح، لكنه كان يحاول أن يصور ذلك على أنه جزء من خياره الثقافي، لكي يكون قريبا من طبقات المجتمع الشعبي.. وحتى عندما كان يتحدث عن جلساته مع وزير الدفاع آنذاك، مصطفى طلاس ،بالإضافة إلى العديد من ضباط المخابرات، إلا أنه كان يسرد تلك الأحاديث في إطار رجل الثقافة الذي يجلس مع السلطة من أجل أن يكون قادرا على مد جسور التواصل بينها وبين الشعب.. وعلى فكرة هو لا يزال مقتنعا أنه يمارس هذا الدور حتى يومنا هذا!

وكي لا نغبط الرجل حقه، فهو كاتب قصة ممتاز، وقد أتيحت لي الفرصة لقراءة مجموعته القصصية التي حاز عليها جائزة سعاد الصباح، والتي كانت تنبئ عن ولادة قاص مرموق في سوريا والمنطقة العربية.. ولكن وبما أن المعادل الموضوعي لأي نجاح في سوريا، كان ولا يزال، إما المال أو السلطة، فقد آثر نبيل صالح أن يوفر على نفسه عذابات المبدع والمثقف، ليتجه مباشرة إلى سلم السلطة، الذي أخذ يتسلقه درجة بعد الأخرى إلى أن أوصله إلى بعد نحو عشرين عاما إلى مرتبة عضو مجلس شعب فقط .

أتخيل لو أن نبيل صالح تفرغ للعمل الإبداعي والقصصي، أو لو أنه استثمر صلاته بالسلطة لصالح هذا العمل، مثلما فعل الراحل ممدوح عدوان، لكنا اليوم بدون شك أمام كاتب لا يقل أهمية عن "عدوان" ذاته.

هذا باختصار ما فعله النظام بأبناء طائفته، أصبح الواحد منهم يشعر أنه يستطيع أن يصبح أي شيء، دون أن يكون ممتلكا لمواهب هذا الشيء.. وهو ما أضر بأبناء الطائفة ذاتها التي لم تعد قادرة على تقديم أسماء كبيرة في المشهد الثقافي السوري، مثلما كان عليه الأمر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وقبل أن يصل حافظ الأسد إلى السلطة.

قال لي مرة أحد أبناء الطائفة العلوية، منتقدا هذه الظاهرة: لم يعد العلوي مهتما أن يكون بارعا وناجحا في اختصاصه، من أجل أن يترقى في المواقع ويحصل على المال، لأنه بات يشعر أنه يستطيع أن يحصل على ما يريد من خلال أحد أقاربه في السلطة أو أجهزة المخابرات.. فما الداعي لأن يتعب نفسه؟!

*من كتاب "زمان الوصل"
(223)    هل أعجبتك المقالة (224)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي